top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تصف البحر؟

تاريخ التحديث: 11 نوفمبر 2025

هرمان ملڤل
هرمان ملڤل
شرح مقطع من رواية موبي ديك من تأليف هرمان ملڤل


كالْحياةِ نَفسها، يَتشكّل البَحرُ مِن التناقضاتِ. فَعِند هرمان ملڤل، هو رهيف وغادر، متألق ولا يَرحم؛ وفي حَرب أزلية جميلة.


انظر إلى هذا المقطع من رواية «موبي ديك»:


تأمّل رهافةَ البحرِ (3 كلمات)؛ كيف تنسابُ أعتى مخلوقاتهِ تحتَ سطحِ الماءِ، غيرَ ظاهرةٍ في الغالب، وتكمنُ بغدرٍ تحتَ أبهى صبغاتِ اللازورد (17 كلمة).  تأمّل أيضاً ذلك (3 كلمات) التألّقَ والجمالَ الشيطانيَّينِ في كثيرٍ من فصائلهِ التي لا تعرفُ رحمةً؛ كأنواعِ أسماكِ القرشِ بهيئاتِها الأنيقةِ المبرقشةِ (17 كلمة). ثمّ تأمّل تلك (3 كلمات) الشهوةَ الطاغيةَ إلى أكلِ اللحمِ بين أبناءِ الجنسِ الواحدِ في البحرِ، فكلُّ مخلوقاتهِ تفترسُ بعضها بعضاً، وتخوضُ حرباً أزليةً منذ بدءِ الخليقةِ (22 كلمة).

Consider the subtleness of the sea; how its most dreaded creatures glide under water, unapparent for the most part, and treacherously hidden beneath the loveliest tints of azure. Consider also the devilish brilliance and beauty of many of its most remorseless tribes, as the dainty embellished shape of many species of sharks. Consider, once more, the universal cannibalism of the sea; all whose creatures prey upon each other, carrying on eternal war since the world began.

يتلاعب ملڤل بما يتوقعه القارئ مراراً، ويَفعل ذلك باستخدام التغاير: الأمواج تتلألأ تحت السماء الزرقاء الوادعة، لكن مخلوقاتٍ مرعبة تكمُن تحت السطح؛ أسماك القرش تلمع بجمال يدهش العين، لكنها بلا رحمة.


هذه التناقضات تتعدى الجمل الفردية لتشمل الفقرة كلها، حيث يبدأ الوصف بـ«رهافة» البحر وينتهي بالحرب العظيمة الأبدية في أعماقه، مما يُظهر قدرته على بناء تناغم بين الرقة والرهبة في الوقت نفسه.


ليس الأسلوب وحده ما يجعل هذا الوصف حياً، بل الإيقاع والتناغم بين الجمل أيضاً. الجمل الثلاث تبدأ بالكلمة «تأمّل»، وهو تكرار يعطي إحساساً بمدّ البحر وجزره، وكأنها قطعة موسيقية تصل إلى الشاطئ تباعاً. طول الجمل متساوٍ نسبياً، ما يُضفي على الانطباعات التي يقولها ملڤل عن البحر تماسكاً. استخدام التكرار والتناغم بين الجمل هو أحد أساليب الإيقاع الأدبي الفريد الذي يميّز نصوصه.


هذه التقنية تكشف سر عبقرية ملڤل في الوصف: القدرة على الجمع بين الدقة العلمية، والرمزية، والفلسفة في فقرة قصيرة.


كتب ملڤل الكثير من وصف البحر بناءً على تجاربه الواقعية في السفن الحقيقية. كان يُبدع في المزج بين المعرفة العلمية (الحيتان وتقنيات الصيد) والأسلوب الأدبي الرمزي.


الحبكة الرئيسية تدور حول القبطان آخاب، الذي يسعى بكل هوسٍ للانتقام من الحوت الأبيض موبـي ديك، الذي سبق وأن أفقده ساقه في مواجهة سابقة معه. يروي القصة إسماعيل، أحد البحّارة على متن السفينة، الذي يشهد رحلة البحّارة عبر المحيطات، مع تفاصيل دقيقة عن الحيتان وتقنيات صيدها. في نهاية المطاف، يواجه آخاب الحوت في معركة مدمرة تؤدي إلى غرق السفينة، ليظل إسماعيل الناجي الوحيد، عائماً على نعش يتحوّل إلى طوف يبقيه على قيد الحياة.


لم يكن ملڤل يتوقع نجاح «موبـي ديك» عند نشرها عام 1851، فقد تلقت ردود فعل متباينة وسلبية بسبب غرابتها وتفاصيلها المفرطة، بينما كان عمله السابق «تايبي» أكثر شهرة، ما جعل فشل الرواية التجاري يسبب له صعوبات مالية. 


بعد وفاته عام 1891، كادت الرواية تُنسى إلى أن ظهر ما يسمى بـ«إحياء ملڤل» في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأ النقاد والكتاب وحتى العلماء يقدّرون عبقريتها الأدبية.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page