




أدوات
كتـــابة
القصة






دليـــــــــــــــل عمـــــــــــــــــلي
لتحرير النصوص
الطبعة الأولى: 2024
الرقم الدولي:
978-625-98452-2-7
أدوات كتابة القصة
دليل عملي لتحرير النصوص
تأليف
رشاد عبد القادر
تحرير
محمد زيدان
تدقيق لغوي
حسين عدوان
تصميم غلاف
أحمد فتّاح
جميع الحقوق محفوظة © معهد الجزيرة للإعلام 2024
تصدير المعهد
للكتابة العربية متاهاتها الطويلة والمتعددة، وهي متاهات تتخلّل طوابق التفكير النظري في شأن أصلها وفصلها ومعمارها وقوانينها، مثلما تتخلل الانشغال العمليّ بدرسها وتعليمها وتطويرها. وأيّاً كان الطابق الذي نلج إليه، فإنه لا تتوفَّر لكثيرين الأناة الكافية في عصر السرعة لتفعيل ملكة الكتابة وشحذها على النحو الذي يخدم القارئ والقراءة معاً. ولئن كانت هذه الملاحظة ذات مصداق يسري على معظم المحتاجين إلى الكتابة العربيّة في حياتهم الشخصية والمهنية، فإنها تنطبق بشكل أخصّ وأكثر خطورة على الكاتب الصحفي.
فمهارات الكتابة الصحفية وأدواتها، ولا سيما تلك التي تخدم عنصر السرد في القصة، متَطوِّرة أبداً، واعتبار أن ما كتبه الأقدمون في هذا الباب كافٍ في ذاته من دون استصلاح لما هو ضروري أو تدويرٍ لما يلائم طبائع الأزمنة التي تتقدَّم الأُمَّة الكاتبة إليها، هو اعتبارٌ غير سليم؛ فالمكتبة العربية المعاصرة ما تزال بحاجة ماسّة إلى مزيد من الكتب والأدلّة العمليّة التي تعلِّم الكتابة وتدرِّب على أدواتها وتجمع المتشظِّي من النصائح الأساسية وتبسطها للقارئ الجديد بأمثلة وتطبيقات معاصرة غير تلك التي يصيبها القدم ويعتريها التكلّس، فتمسي بعيدة كلّ البعد عن تلك الصورة المشرقة التي تحتلُّها فكرة الكتابة السليمة في الثقافة العربية.
كذلك فإن الانطباع الذي ما يزال يحتفظ به بعضهم بشأن الكتابة العربية وصعوبتها هو أيضاً مجانب للصواب، وهو انطباع أسهم في تشكيله عدم العناية الكافية بشؤون النشاط الأكاديمي والتأليفي المعني بتطوير أدلّة الكتابة وتبسيطها وتعميمها وتوفير اللازم منها لاختلاف أصناف المنشغلين بالكتابة وفئاتهم العمرية، وضعف العمل على التحديث المستمر لها في طبعات ميسَّرة بأشكالها الورقيّة والرقميّة معاً. ولهذا السبب، وأسباب مركَّبة أخرى عديدة، لا يصطدم الكاتب بالكتابة وتعقِّدها في معظم الأحيان إلا عندما يصل المكتوب إلى القارئ، فتدخل المنظومة الكتابية في دورة متسلسلة من الركاكة لدى بعض الأفراد أو في المحافظة المتزمّتة لدى آخرين. وبين هذا وذاك، تضعف صنعة الكتابة وتذوي، وتضيع قصص كان حرّياً بها أن تكتب وتُقرأ. وتلك خسارة كبيرة؛ إذ إن الكتابة السليمة هي أُسّ الصحافة الجيّدة، فضلاً عن كونها في مخيالنا العربيّ هي مظهر الكون، مثلما أن القراءة هي مظهر الوجود. بحسب ما يُخبرنا به الشاعر الفلسطيني محمود درويش: «اكتب تكن، واقرأ تجد».
ومن ملاحظة هذا الواقع وإدراك مسؤولية الإسهام في النهوض به جاء هذا الكتاب الذي يعود بنا إلى القاعدة المبدئية التي يكاد يجمع عليها معلمو الكتابة والمتمرِّسون بها؛ وهي أن الكتابة «ليست موهبة بل معرفة»، وأن السرد فيها حرفة يمكن تعلُّمها واكتسابها وصقلها، عبر تحسين التعامل مع أدواتها وقوانينها معاً. ففي هذا الكتاب، يطمئننا المؤلّف إلى أن الكلمة المكتوبة «كائن حي» ينمو ويتطوّر ويتجدَّد، وأن استثمار ذلك عبر تطوير أدوات التعبير بها واستكشاف أساليب السرد الوفيرة فيها سيكون كفيلاً بإطلاق سراج أقلام الكتاب والصحفيين بما يعود بالنفع الجزيل على اللغة العربية ومهنة الصحافة معاً.
وإلى جانب كتاب «السرد في الصحافة» الذي صدر عام 2021، يعدُّ هذا الكتاب لبنة جديدة في صرح الكتابة عن الكتابة وأدوات القصّة، ومصدراً مهماً من مصادر المعلومات والأمثلة المرجعية التي بذل المؤلِّف جهداً استثنائياً في جمعها وتقريبها للقارئ العربي، والأخذ بيده عبر سلسلة من النصائح الواضحة والتدريبات العملية المتنوعة والإضاءات اللغوية والثقافية والسياقية العديدة التي تعكس عناية الكاتب بالأصيل والمعاصر من الثقافة العربية، والتي أضاف إليها إلمامه الواسع بتقنيات الكتابة الحسنة في الصحافة الغربية الحديثة وخبرته المديدة في تخيُّر المفيد منها للكاتب العربي.
وقد جاء اهتمام معهد الجزيرة للإعلام بموضوع هذا الكتاب اتساقاً مع رؤية رائدة تؤمن بدور الكتابة الصحفية بوصفها شرطاً للتنمية الثقافية الحرة واستشعاراً للحاجة الماسة إلى تنوير درب الكتابة وتعلّمها لأجيال جديدة من الصحفيين والصحفيات في العالم العربي، وضرورة رفد المكتبة العربية بالكتب والأدلة التعليمية الميسَّرة في هذا المجال، على أمل أن يفتح ذلك الأبواب لمزيد من الأعمال التي تسهم في إنماء ثقافة الكتابة الصحفية العربية المعاصرة.
معهد الجزيرة للإعلام
الفهرس
-
الهرم المقلوب
-
الكتابة «صنعة»
-
ابتعد عن قصتك.
-
اشتبك مع القارئ: ابدأ بالأكشن.
-
اقرأ بصوت عال.
-
لا شيء مقدس، اكسر القاعدة كلما وجدت ذلك ضرورياً.
-
اعرض، لا تخبر.
-
احرص على البساطة.
-
تخلص من النثر المنمق.
-
ركز على بنية القصة.
-
تخلص من الأخطاء اللغوية الفادحة.
-
الامتحان النهائي أو ما يُعرف بـ«الميمات الست».
-
الفكرة العامة للقصة.
-
البنية / الحبكة.
-
نمو الشخصية.
-
التأثير الدرامي.
-
الاستمرارية / الاتساق.
-
وللمزيد من التعمق، ستجد:
-
حواس الصحفي العشرة.
-
أسئلة القارئ الخمسة.
-
المقابلات.
-
تدوين الملاحظات.
-
-
بنية الجملة الديناميكية:
-
علامات الترقيم.. ديناميكية الجملة
-
علاقة «الأكشن» بالأفعال
-
علاقة «الشخصيات» بالفاعل
-
الوضوح لا السذاجة
-
نظام الجملة العربية
-
ظواهر لغوية
-
-
الكلمات القوية: الأسماء والأفعال:
-
الشخصيات والمبني للمجهول
-
متى تقرر المبني للمجهول من المبني للمعلوم
-
-
اللغة:
-
سلم التجريد
-
-
النبرة، الأسلوب، الصوت
-
الحوار الجيد:
-
الشخصية في القصة والتقرير
-
كيف تعيد بناء الشخصيات المفقودة
-
الشخصيات المجردة
-
شخصية الصحفي
-
-
التماسك والاتساق
-
اللفظ والمعنى
-
التخيّر والتّوخي
-
عن الاختيار والصواب
-
مفهوم الاحتكاك
-
بناء الجملة في اللغة العربية
-
دع الكلمات والجمل تتصادم
-
كيف تنهي الجملة
-
مفهوم النبرة
-
-
الحُسْن.. محاولة فهم
-
التوازن والتناظر
-
التشويق
-

البدايات
الهرم المقلوب
كان الفضول والقلق ينتابان الروائي الأمريكي لاري ماكميرتري Larry McMurtry الحائز على «جائزة بوليتزر» في الآداب، عندما حطّت طائرته في تكساس عام 1963، ففي ساعات قليلة سيشهد عملية غير اعتيادية -بمعايير زمانه- في تحويل شخصيات روايته Horseman, Pass By إلى كائنات من لحم ودم تقف أمام عدسات تصوير فيلم «هَادّ» Hud الذي سيحصد 3 جوائز أوسكار، وسيُحفظ في «السجل الوطني للأفلام» في مكتبة الكونغرس باعتباره إحدى أيقونات سينما الغرب الأمريكي.
كانت عمليات التصوير قد بدأت فعليّاً قبل أسبوع أو أسبوعين عندما وصل إلى الموقع، وكان أول ما تفتّق في ذهنه كحبة الذُّرَة أن سأل العاملين هناك: كيف جرى مشهد الصقور الحوّامة؟
في ذلك المشهد، يصل «هَادّ» -الذي يؤدي دوره الممثل بول نيومان- بشاحنته الصغيرة ليكتشف أن بقرة قد نفقَتْ، بسبب مرضٍ انتشر في قطيع أبقاره، فيُخرج بندقيته غاضباً، ويطلق النار على صقور حوّامة تراصفت على غصن شجرة تنتظر بفارغ الصبر الوليمة الماثلة أمامها. وكان من المفترض -بحسب أحداث الرواية- أن تطير الصقور فزعةً في السماء الزرقاء، لكنها في أثناء تصوير المشهد رفضت أن تتحرك من مكانها. ويذكر لاري ماكميرتري كيف تبادل العاملون نظرات الحَرَج من سؤاله؛ ليكتشف أن الأمر لم يسر كما يجب. ولَكَ تخيُّل ذلك: أن تطلق النار على طيورٍ، فتبقى في مكانها، وكأن شيئاً لم يكن!
بدأت المشكلة عندما اكتشف فريق العمل أن الصقور المحلية في «تكساس» مظهرها رثّ، فاضطروا إلى شحن صقور خاصة جوّاً وبتكلفة كبيرة، لها مظهر درامي يتناسب مع وسامة الممثل بول نيومان. ثم بدأت المشكلة الثانية؛ كان من المستحيل التمرين على المشهد، دون أن تفرّ الصقور الجديدة المهيبة، فما الحل؟ اقترح أحدهم أن تُربَط أرجلها بسلك إلى غصن الشجرة. وهذا ما فعلوه. أطلق نيومان النار من بندقيته في أثناء التمرين، فلم تستطع الصقور الطيران، عوضاً عن ذلك، في أثناء هوجة الفزع، اندفعت إلى الأمام، وانقلبت رأساً على عقب متدليّة من أرجلها المربوطة بغصن الشجرة. نجحت الخطة، لكن القصة لم تنتهِ هنا. تبيّن أن الدورة الدموية لهذه الصقور الحوّامة لا تعمل عندما تكون رأساً على عقب، والنتيجة أنها تصاب بالإغماء، فيعمد الفريق إلى تصحيح وضعيتها مجدداً كي تعود إلى وعيها. وهكذا إطلاق نار، محاولة طيران، انقلاب، إغماء، إفاقة - مرة، مرتين، ثلاثاً، أربع.. أصبح الجميع جاهزاً. فُكّت أرجل الصقور، وأُديرت الكاميرات استعداداً للحظة الكبرى، ومع صرخة: أكشن، طاخ طااخ، لم تتحرك الطيور من مكانها، ثم طاخ طااخ طاخ، طخ طاخ، رفضت أن تتحرك أيضاً. استعان الفريق بمدرّب رفيع المستوى لمساعدة الصقور على استعادة احترامها لذاتها، لكنه لم ينجح إلا مع صقرين اثنين من أصل 12. حسب صانعي الفيلم حساب كل شيء إلا «عقلية الصقر»، فقد كان لسان حال الصقور يقول: «جربنا الطيران ولم ينجح. لن نجربه مجدداً». كان المشهد برمته فوضى عارمة.
القصة ذكرها ماكميرتري عام 1968 في كتابه In a Narrow Grave، عن تأملاته وذكرياته في «تكساس». نكشت المؤرّخة والكاتبة والمحاضرة باتريشيا نيلسن ليمريك القصة مجدداً في مقال مطول نشرته في «نيويورك تايمز» عام 1993 تنتقد فيه «عقلية الصقر» في المؤسسات الجامعية، ثم أصبحت منذ ذلك الحين مضرباً للمثل لدى الحديث عن كتابة التقارير Reporting الصحفية؛ أو ما يُعرف بالاسم المفزع «الهرم المقلوب».
فتاريخياً، تقوم المؤسسات الإعلامية بربط أرجل صحفييها بقالب «الهرم المقلوب»؛ ومفاده أن المعلومات يجب تقديمها بطريقة معينة: الأكثر أهمية في قاعدة الهرم في الأعلى والأقل أهمية في رأسه المدبب المتجه إلى الأسفل. لا عيب في ذلك بحد ذاته. ينبغي أن يكون للصحفيين أرضية مشتركة، وعليهم أن يتشاركوا في بعض الافتراضات الأساسية، وأن تكون لديهم عادات ذهنية متشابهة. فهذا يمنح الصحفي موطئ قدم في المؤسسة التي يعمل فيها.
المشكلة تبدأ عندما تهيمن نفسية «الصقر الْحَوَّام» على الصحفي، فيرفض الطيران واستعادة احترام الذات حتى بعد فكّ قدميه. يرْبِض هناك على غصن الشجرة، بظهره المنحني، غاضباً ومتربّصاً بأي صحفي آخر يحاول التحليق قليلاً، فيتبرع بإيصال «شكوى» شديدة اللهجة بأن أي محاولة لاختراق حصن «الهرم المقلوب» المنيع ينبغي أن تُفْشَل في مهدها. فعنده الكتابة الباهتة «مهارةُ بقاءٍ» على قيد الحياة داخل المؤسسة. وهكذا أصبحت الحكمة هي الجلوس بهدوء على الغصن؛ الجلوس دون أيّ تفكير في الطيران، فحتى مجرد التفكير قد يكون كافياً لإمالة الميزان وإطلاق جولة أخرى من الرفرفة والإغماء والارتباك.
طوال قرون، لم يكن «الهرم المقلوب» الشكل الوحيد في إيصال الخبر، كان هناك دائماً استثناءات. لكن التوتر ظلّ مستمراً بين الذين يريدون تقديم الخبر ناشفاً ومجرداً Hard News، وبين أولئك الراغبين في رواية القصص Storytelling، المتحمسين لتبنّي هياكل سردية للحفاظ على القرّاء الذين تقِلُّ أعدادهم باطراد. والحق، أن أشكال الكتابة ليست ثابتة، بل هي استجابة لتطلعات الجمهور، ومتطلبات السوق، والمناخ السياسي، وما تتيحه التقنيات الجديدة من فرص.
ليس هذا فحسب. ففي عصرنا، عصر الذكاء الاصطناعي، والوباء والمعلومات المضللة، يتجادل الصحفيون عالمياً في المفاهيم الكبرى الراسخة في الصحافة، ويشككون في مدى جدواها، كـ«الموضوعية» و«الحياد» و«التوازن»، فيما تجد أن أسلوباً واضحاً مثل قاعدة «الهرم المقلوب» ما يزال متوجساً منه في صحافتنا.
انظر إلى التكرار والخوف من الاستنتاج وتغييب الصورة الكبيرة في هذا الخبر الذي نشره أحد أهم المواقع الصحافية العربية نقلاً عن الوكالات، وسأقارنه بالخبر ذاته نُشر في «نيويورك تايمز» في الوقت نفسه، وكلاهما يعتمد «الهرم المقلوب.»
خبر الصحيفة العربية:
أخفق رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو (71 عاما) في تشكيل حكومة، بانتهاء المهلة الممنوحة له لإنجاز هذه المهمة. ولم يتمكن نتنياهو -رئيس حزب الليكود اليميني- من الحصول على أغلبية 61 نائبا من أصل 120 في الكنيست (البرلمان) اللازمة لتشكيل الحكومة.
وانتهت عند منتصف الليل يوم الثلاثاء مهلة 28 يوما يمنحها القانون للمكلف بتشكيل الحكومة، التي يمكن مَدّها أسبوعين بموافقة الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين.
وذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية أن نتنياهو أعاد التكليف بتشكيل الحكومة إلى ريفلين، بينما قال بيان للمتحدث باسم الرئيس الإسرائيلي إن الأخير سيتواصل صباح الغد مع الكتل السياسية بخصوص استمرار مساعي تشكيل الحكومة.
وأضاف بيان المتحدث باسم الرئيس "انتهت فترة الـ28 يوما المنصوص عليها في قانون أساس الحكومة، التي كانت تحت تصرف رئيس الوزراء عضو الكنيست بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة، في منتصف الليل"، وتابع البيان "قبل منتصف الليل بقليل، أبلغ نتنياهو الرئيس أنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة.
خبر «نيويورك تايمز»:
انتبه إلى الفقرة الأولى كيف يرسم الصحفي الصورة الكبيرة للحدث، وفي الفقرة الثانية كيف يتوقع بجرأة منح المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل الحكومة، وهو ما حدث في اليوم التالي:
فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة مع انتهاء الموعد المحدد في منتصف ليل الثلاثاء، ما يعرّض مستقبله السياسي للخطر، إذْ يواجه محاكمة بتهم الفساد وإطالة الجمود السياسي الذي تفاقم بعد أربع انتخابات في غضون عامين.
الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين قد يمنح الآن المعسكر المناهض لنتنياهو فرصة تشكيل حكومة، ما قد يعني طرد نتنياهو من السلطة بعد 12 عاماً متتالية في منصبه.
ويعد حزب الليكود اليميني الذي يتزعمه نتنياهو الأكبر في المشهد السياسي الإسرائيلي الممزق، بعد أن فاز بـ 30 مقعداً في الانتخابات العامة في مارس. مع ذلك، لم يتمكن من حشد عدد كافٍ من الشركاء لقيادة تحالف أغلبية لا يقل عن 61 مقعداً في الكنيست (البرلمان) المؤلف من 120 عضواً.
الكتابة «صنعة»
خلال 20 عاماً من العمل الصحافي، قرأت معظم «كراسات التحرير» العربية، وقرأت الكثير من الكتيبات التي تشكو كثرة الحشو وقلة الإيجاز وسيادة الإطناب والتكرار؛ قرأت كتباً في اللغة العربية والبيان والبلاغة والأسلوب، وكتباً تُوعِد بكشف أسرار الكتابة الصحافية، لكنها على الرغم من أهميتها، لا تقدم أدوات كافية للكتابة الجيدة.
الكتابة الجيدة لا أسرار فيها؛ بل ببساطة هي نتاج عمل شاق. فالكاتب الجيد يشعر بالعزلة؛ لأنه يقف وحيداً قبالة الصفحة البيضاء؛ ويشعر بالعجز لأن الأفكار لا تريد أن تخرج من رأسه؛ ويشعر بالتوتر لأنه يحاول أن يضع جزءاً من ذاته على الورقة أمامه، وغالباً ستخرج ذاتُه تلك متخشّبة لا تشبه روح الكاتب فيه. ولا بأس بذلك كله؛ فالكتابة الجيدة لا تأتي بالفطرة، والجملة الواضحة ليست بنت المصادفة، ونادراً ما تأتي من المحاولة الأولى أو الثانية أو حتى الثالثة. تذكّر هذا في لحظات اليأس، إذا وجدت الكتابة صعبة، ذلك لأنها فعلاً صعبة.
الكتابة الصحافية الجيدة «صنعة» وليست «فناً». ولحسن الحظ ثمة أدوات لذلك. هل يمكن تدريسها؟ ربما لا، لكن يمكن تعلّم معظمها بالعمل الدؤوب. واعلمْ أن مؤسستك الإعلامية لن تمنحك وقتاً بصفتك صحفيّاً، إنْ بقيت أسير هذا الأمل، فلن تكتشف في نفسك الكاتب الذي تريده. بل عليك أن تجرّب بعض ما سيأتي من أفكارٍ في هذا الكتاب على الأقل على مادة واحدة تكتبها شهرياً.
وقبل أن تفعل ذلك، عليك أن تعقد «صفقة» بينك ونفسك: المنتَج الذي تبيعه للقارئ ليس القصة التي تكتبها، إنما هو هُويّتك بصفتك كاتباً؛ مَنْ أنت.

ما السرّ في القصة؟
لا تكاد تجد صحافياً لا يرغب في أن يصبح رَاوِيَةَ قصةٍ؛ أن يصبح «حكّاءً» Storyteller. لا يريد أن يظل مجرد محرّر يعرف كيف يكتب خبراً أو مادة شارحة. فرواة القصة يتمتعون بمكانة أعلى، ويحظون باهتمام أكبر، ويفوزون بجوائز أكثر.
لا أحد يعلم تماماً كيف اهتدينا نحن البشر إلى قوة القصص. لكن المؤكد أننا منتجون للقصص ومستهلكون مدمنون لها منذ الزمن الأول عندما بدأ أحدهم بقصة متواضعة سردها لمجموعة أفراد قد لا تتجاوز العشرة، جلسوا القرفصاء حول نيران تتّقد بفعل الشحم الذائب من لحم فريسة اصطادوها قبل ساعات.
لماذا إذاً نقضي كل هذا الوقت في الاستماع إلى القصص وروايتها، وغالباً عن مآثر لم تحدث قطّ؟
لأن القصة تستطيع تجاوز «هنا، الآن»؛ تستطيع تجاوز التجارب اليومية، لتصل إلى المغزى، المعنى، القيمة الكونية التي تكمن في تلك التجارب.
سنتحدث عن هذا بشيء من التفصيل في قسم «تحرير المضمون».
ثَمّة شريك لكتابة القصة لا يقل عنها أهمية؛ وهي الكتابة الواضحة. لا توجد قصة جيدة بدون كتابة واضحة.
من المدهش حقاً، أنك تجد دائماً الجملة الواضحة تسير كتفاً بكتف مع الجملة الحَسَنَة. وإذا كان عليك اختيار أحدهما -رغم صعوبة الفصل بينهما- فإن الوضوح أكثر أهمية من الحُسْن.
لِمَ ذلك؟
قد ينحاز الكاتب إلى نفسه، فيرغب في أن يظهر مدى براعته في الكتابة، فيُكثر «الحُسْن» على حساب الوضوح. الكاتب الصحفي نادراً ما يفكر هكذا. «البهلوانيات» اللغوية تشتت القارئ، وتقتل القصة الصحافية. قال جورج أورويل مرّة إن الكتابة الجيدة مثل النافذة، تنظر من خلالها، دون أن تلاحظ الإطار.
سنتحدث عن هذا أكثر في قسم «تحرير الجملة».
10 نصائح عامة
هذه النصائح مستمدة من تجارب بعضِ أفضل الكُتّاب الذين صاروا كذلك، لأنهم خرقوا القواعد يوماً ما.
١٩٠٣ - ١٩٩١
إسحاق زينغر
كاتب بولندي أمريكي
حائز على جائزة نوبل

«سلة المهملات أفضل صديق للكاتب.»
١٩٢٤ - ١٩٨٤
ترومان كابوتي
روائي أمريكي
رواية بدم بارد

«أؤمن بالمقص أكثر من إيماني بقلم الرصاص.»
١٨٩٣ - ١٩٦٧
دوروثي باركر
صحفية وكاتبة
وشاعرة أمريكية

«ما كتبت خمس كلمات إلّا وقد غيّرت سبعاً.»
النصيحة الأولى
ابتعد عن قصّتك
لا تدفعها للنشر مباشرة. خذ استراحة.
إن كان الوقت لديك ضيقاً، اذهب ودخن سيجارة مع زملائك، أو تناول كأس شاي، أو صلّ ركعتين مثلاً.
وإن كان لديك وقت أكثر فهذا أفضل؛ عد إلى مادتك في اليوم التالي.
في أثناء ذلك، انسَ مادتك. لا تفكر فيها. فالابتعاد يهدئ افتتانك بكلماتك، ويهذّب ملكة التمييز لديك.
عندما تعود، راجع مادتك. عدّل واحذف بلا تردد.

النصيحة الثانية
اجذب انتباه القارئ: ابدأ بالأكشن
-
ابدأ القصة «في قلب الحدث».
-
اجذب انتباه القارئ مع الجملة الأولى.
انظر كيف تدخل هاتان القصتان «قلب الحدث» مباشرة، وتبدأان الأكشن من أول فقرة.
مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، عملوا في العطلات الأسبوعية، ألغوا الإجازات، نحفوا، سمنوا، أصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، يستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.
مطلع «ملائكة وشياطين»
(بوليتزر 1998 Feature Writing)
تاريخ النشر 30 سبتمبر / إيلول 1997
تقرير عن عمليات الاغتيالات التي تنفذها روسيا ضد المعارضين:
كان الهدف يعيش في الطابق السادس من مبنى كئيب بلون السلمون في شارع فيدينسكا، مقابل أجَمَة من أشجار الصفصاف الباكي. وجده أولِغ سمورودينوف هناك، استأجر شقة صغيرة في الطابق الأرضي، وترقَّبَ.
مطلع تقرير نشرته نيويورك تايمز
تاريخ النشر 31 مارس/آذار 2019
النصيحة الثالثة
اقرأ بصوت عالٍ
الإحساس بالصوت يعزز الحس الدرامي.
قل:
«فارعة الطول، سمراء، جميلة»،
ثم:
«سمراء، جميلة، فارعة الطول»،
هل تسمع الفرق بينهما؟
-
اقرأ بصوت عالٍ لضبط الإيقاع، والسرعة، والصوت، والإلقاء.
-
في حال وجود حوار، اسمعه. يجب أن يبدو صحيحاً كي يُقرأ بشكل صحيح.
النصيحة الرابعة
لا شيء مقدّس
اكسر القاعدة كلما وجدت ذلك ضرورياً.
فمثلاً: «نوّع في بناء الجمل!» قاعدة جيدة.
لكن انظر إلى الفقرة الافتتاحية لتشارلز ديكنز في:
قصة مدينتين
«كان أحسنَ الأزمان، كان أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة، كان عصر الحماقة، كان عهد الإيمان، كان عهد الجحود، كان زمن النور، كان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل، كان شتاء القنوط ...»
-
احذف أيّ كلمة أو جملة أو فقرة لا تؤدي دوراً في تطور أحداث القصة. القصة وحدها مقدسة.
-
اكسر القاعدة، كما في «قصة مدينتين»، إذا كان لديك سبب وجيه لذلك، على سبيل المثال: كي تجعل عجلة القصة تدور، أو تضفي بُعداً على الشخصيات، أو لإبراز الأسلوب... إلخ.


النصيحة الخامسة
اعرض، لا تُخْبر
Show, don’t tell
غيّرت المسلسلات والأفلام الكتابة القصصية: فوتيرة الأحداث Pace والأكشن أصبحت أسرع، وحضور المؤلف غدا أقل، ووجهة النظر الواحدة Single point of view في المشهد الواحد بات لها الأولوية.
-
الأفعال والأسماء أهم من الصفات والظرف.
-
الأكشن أهم من العرض والشرح Exposition.
انظر هذا المثال:
جلس «خضر صافي» أمام باب متجره للتبغ في شارع «الجامعة» في «سانت بول» بعد ظهر الجمعة، وتدلّى مسدس في القِراب المشدود إلى خاصرته.
نام ثلاث ساعات فقط في الليلة السابقة، فقد حطم النَّهَّابُونَ النوافذ، وحاولوا إشعال النيران في المبنى. تمكّن «صافي» وسبعة من أفراد أسرته بالأسلحة وطفايات الحريق، تفادي الدمار الكامل عندما تحوّلت الاحتجاجات على وفاة جورج فلويد في أثناء احتجازه لدى الشرطة، إلى أعمال عنف.
(بوليتزر 2021 - Breaking News Reporting)
تاريخ النشر: 30 مايو/أيار 2020
النصيحة السادسة
احرص على البساطة
-
لاستخدام الكلمات القصيرة دلالتها، وكذلك الكلمات الطويلة.
-
استخدم جملاً نظيفة بدون زوائد أو عوالق كلما أمكن ذلك.
تذكَّر: الإيجاز ليس عدد الكلمات في الصفحة، بل المدة التي يستغرقها القارئ لفهم ما يحدث أمامه على الصفحة.
انظر:
حتى قبل ثلاثة أشهر، لم يعلم أحد بأن السارس- CoV-2 موجود. الآن، انتشر الفيروس في كل بلد تقريباً، وأصاب ما لا يقل عن 446 ألف شخص نعرفهم، وكثيرون آخرون لا نعرفهم. دمر الاقتصادات وأوقف أنظمة الرعاية الصحية، ملأ المستشفيات، وأفرغ الأماكن العامة. أبعد الناس عن أماكن عملهم وأصدقائهم. عطّل المجتمع الحديث على نطاق لم يشهده معظم الناس الأحياء. قريباً، سيعرف كل شخص في الولايات المتحدة آخر مصاباً بالفيروس. مثل الحرب العالمية الثانية أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر، طبع هذا الوباء بالفعل وجدان الأمة بطابعه.
(بوليتزر 2021 - Explanatory Reporting)
تاريخ النشر 25 مارس/آذار 2020

النصيحة السابعة
تخلص من النثر المنمّق
النثر المنمق هو الذي يحفل بالمحسنات والصور البيانية. ودُعي أيضاً بالنثر الأرجواني لأن هذا اللون ارتبط بالملوك والأباطرة.
في كتابه On the Art of Writing (1916)، ينصح الكاتب والناقد الأدبي آرثر كويلر كاوتش الكتّاب قائلاً «murder your darlings»، (اذبح الجمل العزيزة على قلبك).
لا تزال هذه النصيحة جيدة.
-
تخلص من الجمل الشعرية.
-
تخلص من الصفات والأحوال والظرف والأدوات التي تقيد المعنى، كلما أمكن ذلك.
«هدية مجانية» ✗
فالهدية بالأصل مجانية.
-
تخلص من الكتابة المنمقة.
انظر:
كان الغسق يهبط على الغابة المطيرة عندما عثر الكاميرونيون والباكستانيون على موقع المخيم. كانوا في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، محمّلين بالخيام وحقائب على الظهر وعلى الكتف. غطّى الطين أحذيتهم المطاطية. بدوا ذاهلين، وهم يحاولون معرفة مَنْ كان يشغل المنفسح الصغير المقطوع الشجر، الذي ظهر أمامهم توّاً.
الموقع لا يستحق الذكر؛ رقعة قذرة مرقطة بجذوع الأشجار ومخلفات من نسيج الخيم. تمدّد بعض الرجال في أراجيح معلقة بين الأشجار الرفيعة. كان البذخ الوحيد مطبخاً مظلَّلٌ بقطعة «تربولين»، به طاولة من الخشب الخام وحفرتان لإيقاد النار، وبعض الأواني المسودّة التي استقرت على الصخور.
كان الباكستانيون الأربعة، وهم أوّل مَنْ وصلوا، يتنفسون بصعوبة. اتجه معظم الكاميرونيين – وعددهم 18 إجمالاً –مباشرة إلى نهر قريب، كانت حافظات جوازات السفر البلاستيكية تتدلى من أعناقهم إلى المياه، وهم يغمرون وجوههم فيها. نزع البعض ملابسه واغتسل. وقفت امرأة اسمها ساندرا بلا حراك، بألم واضح. كانت في الثالثة والعشرين من عمرها،وهي أحد أصغر أفراد المجموعة. أحاطت بوجهها خصل من الشعر المجعد، لا تزال نهاياتها بلون أشقر باهت من «هاي لايت» قديم. نزعت الحقيبة عن ظهرها بعنف، وجلست على جذع شجرة وعانقت ركبتيها. كانت قلقة على صديقتها «بينيتا» التي لُوِيَت ركبتها في اليوم السابق وكانت تجاهد. عندما ترنحت بينيتا، متكئة بكامل ثقلها على عص سميكة بين يديها، نظرت ساندرا. «كم يوماً لا يزال أمامنا؟» لم توجه السؤال إلى أحد بعينه.
The California Sunday Magazine
(بوليتزر 2021 - Feature Writing)
تاريخ النشر 20 أبريل/نيسان 2020
النصيحة الثامنة
ركز على بنية القصة
اجعل القارئ يبكي، اجعله يضحك، اجعله قلقاً.
-
بداية مثيرة للقصة، ومنتصف يحث على مواصلة القراءة، ونهاية لها أثرها.
-
أقوى شخصية لقيادة القصة، والنبرة الصحيحة لتلوينها، والصراع الدرامي لإظهار تغيير له مغزاه في القصة بنهايتها.
انظر كيف تبدأ قصة «الرجل خلف الآلة» التي تروي قصة أحد رجال الشرطة الفاسدين، ببداية مثيرة تحث القارئ على مواصلة القراءة، وخاتمة تترك أثراً.
تحت القسم، سُئل مرّةً الشَّريف في مقاطعة «باسكو» بفلوريدا، كريس نوكو، كيف استطاع تولّي منصبين رفيعين في حكومة الولاية.
- «بفضل العلاقات التي أقمتها،» قال من دون مواربة.
- «أعني، لم يكن عليك الذهاب إلى مقابلة إلى جانب أشخاص آخرين للحصول على المنصب، لم تقم بأي شيء؟» ضغطت المحامية.
- «لا، سيدتي،» قال.
في وقت لاحق من ذلك الشهر، قال لمراسل صحيفة «أنا محظوظ جداً، لدي أصدقاء في الدوائر العليا.»
اليوم، «نوكو» نفسه يشغل أحد المناصب العليا. ممثلاً للسياسات المحلية للجمهوريين، اُنتخب مرتين لمنصب العمدة من دون معارضة، وهو أمر لم يحدث في مقاطعة «باسكو» منذ الحرب العالمية الثانية. زوجته أحد أبرز جامعي التبرعات الجمهوريين في الولاية. وصلت علاقاتهما إلى أعلى المستويات في الحكومة، بما في ذلك إدارة الرئيس دونالد ترمب.
منذ أن تقلّد منصب الشَّريف قبل عقد من الزمن، استخدم «نوكو» علاقاته ونفوذه لتنمية قسم الشرطة وتوسيعه. ودفع بالقسم في اتجاهات أفزعت حتى رجال الشرطة المتمرسين وخبراء إنفاذ القانون المعترف بهم على المستوى الوطني.
...
ظل مكتب الشريف متحدياً.
«لن نعتذر عن استمرارنا في الحفاظ على أمن مجتمعنا،» نشر المكتب على فيسبوك في سبتمبر بعد أول تقرير لـ«تامبا باي تايمز».
في ديسمبر نشر المكتب «ثمة معلومات مضللة تُتداوَل مؤخّراً حول هذه البرامج الهامة،» وذلك بعد أن طالب بعض أولياء الأمور والمعلمين في مقاطعة «باسكو»، بمراجعة استخدام هذه البرامج في جمع بيانات الطلاب.
في حسابه الخاص على تويتر، واصل «نوكو» توقُّعَ الهدوء.
في 7 ديسمبر، كتب: «كن حازماً.»
في 14 ديسمبر: «لن تؤثّر في العالم إذا حاولت أن تكون مثله.»
في 17 ديسمبر: «ما دمت تعرف أن الله معك، لا يهم مَنْ يقف ضدك.»
(بوليتزر 2021 - Local Reporting)
تاريخ النشر 24 ديسمبر/كانون الأول 2020



.jpg)
النصيحة التاسعة
الأخطاء والترتيب
خذ بعين الاعتبار الأخطاء النحوية والترتيب في القصة: فللوقت ثمن. القارئ يريد نصاً يسهل فهمه.
-
تأكد من أن الأخطاء الإملائية وعلامات الترقيم ليست فادحة. تأكد على الأقل من عدم وجود أخطاء تجعل المعنى ملتبساً.
-
أشياء لا غنى عنها:
-
المعجم. ثمة معاجم كثيرة، اختر ما تراه مناسباً لك
-
المرادفات والأضداد.
-
كتاب الأسلوب، ستجد أنني أذكر كتباً عديدة، وجميعها مهمة.
-
برامج الكمبيوتر.. تأكد من تفعيل القاموس والتدقيق الإملائي في برنامج وورد وتحديثه.
-
والآن لديك «لسان» Lisan.ai و«قلم» Qalam.ai، وهي خدمات لا تزال في بداياتها لأتمتة التدقيق الإملائي والنحوي.
-
ولديك أيضاً ChatGPT، استثمره، رغم أنه لا يزال متواضعاً في اللغة العربية. لكن تعلّم منذ الآن كيف تكتب المُلَقِنَات لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ستساعدك على البحث في المفردات البديلة أو القواعد... إلخ.
-


النصيحة العاشرة
الامتحان النهائ ي
هل قلتَ ما أردتَ قوله، وهل قلت ذلك جيداً؟
الميمات الست أو ما يعرف بالإنكليزية The Six C’s:
إذا كانت قصتك:
-
مفهومة Clear
-
موجزة Concise
-
متماسكة Cohesive
-
متسقة Consistent
-
ملموسة ومدركة بالحواس Concrete
-
مستحوذة على الانتباه Captivating
ادفعها إلى النشر.
إنْ لم تكن كذلك، عُد إلى النصيحة رقم واحد.
افحص «الميمات» الست في القصة التالية:
كانت الدكتورة كاميلا روث على وشك المغادرة لتناول العشاء عندما أبلغها المختبر الحكومي بالنتيجة المفاجئة. إيجابي. كان ذلك في 27 يناير 2020. لقد اكتشفت توّاً أول إصابة بفيروس كورونا المستجد في ألمانيا.
التشخيص لم يكن منطقياً. فالمريض؛ رجل أعمال من شركة قطع غيار للسيارات، ولا مجال لإصابته بالفيروس إلا عن طريق شخص واحد فقط: زميلة زائرة من الصين. وليس من المفترض أن تكون هذه الزميلة معدية.
فالزائرة بدت بصحة جيدة طوال إقامتها في ألمانيا. لا سعال أو عطاس، لا علامات على التعب أو الحمى خلال يومين طويلين من الاجتماعات. أبلغت زملاءها أنها بدأت تشعر بالمرض بعد رحلة العودة إلى الصين. خلال أيام، ثبت إصابتها بفيروس كورونا.
اعتقد العلماء حينئذ أن الأشخاص الذين لديهم أعراض فقط يمكنهم نقل فيروس كورونا. افترضوا أنه يتصرف مثل ابن عمه الجيني؛ فيروس «السارس.»
تتذكر الدكتورة روث، اختصاصية الأمراض المعدية في مستشفى جامعة ميونيخ، قائلة: «الخبراء الذين يعرفون الكثير عن فيروسات كورونا أكثر مما أعرفه أنا، كانوا متأكدين من ذلك.»
لكن، إذا كان الخبراء مخطئين، إذا كان الفيروس يستطيع الانتقال من أشخاص يتمتعون بصحة جيدة أو أشخاص لم تظهر عليهم الأعراض بعد، فإن التداعيات قد تكون كارثية. حملات التوعية العامة والفحص في المطارات وسياسة الحجر المنزلي للأشخاص المصابين، قد لا توقف انتشار الفيروس. ربما هناك حاجة إلى إجراءات أكثر صرامة؛ إلزام الأشخاص الأصحاء بارتداء الأقنعة، مثلاً، أو تقييد السفر دولياً.
كانت الدكتورة روث وزملاؤها أوّل من حذر العالم. لكن رغم تزايد الأدلة من علماء آخرين، أعرب كبار مسؤولي الصحة عن ثقتهم الراسخة في أن «انتشار الفيروس بدون وجود أعراض» ليس وارداً.
في الأيام والأسابيع التالية، السياسيون ومسؤولو الصحة العامة والأكاديميون المتنافسون، استخفّوا بفريق ميونيخ أو تجاهلوه. واجتهد البعض في تقويض التحذيرات في لحظة كانت حاسمة، عندما كان الفيروس ينتشر دون أن يلاحظه أحد في الكنائس الفرنسية وملاعب كرة القدم الإيطالية وحانات التزلج النمساوية. ستصبح السفينة السياحية «أميرة الألماس»، نذيراً قاتلاً لانتشار الفيروس قبل ظهور أعراضه.
(بوليتزر 2021 - Public Service)
تاريخ النشر 27 يونيو/حزيران 2020
مراحل التحرير
التحرير الأساسي
معرفة الأسئلة التي ينبغي طرحها في أثناء مراجعة قصتك، هي أهم مهاراتك التحريرية، كما تقول توني جيمس في كتابها Savvy Self-Editing، وتقسم دليل «تحرير قصتك بنفسك» إلى ثلاث خطوات. وهي:
ويقوم على تقييم المادة ككل.

يلقي نظرة فاحصة على النحو واللغة والأسلوب.

مراحل التحرير
إغلاق

يجعل النص متماسكاً، بحذف ما يثقله.
كي تتعرّف على تحرير المضمون، عليك أولاً قراءة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» بالعربية. سأستشهد بها كثيراً. القصة فازت بجائزة بوليتزر وجائزة «ناشيونال ماجازين» عن فئة «الفيتشر» لعام ٢٠٢١. الفوز بهاتين الجائزتين المرموقتين في وقت واحد لا يتكرر كثيراً، وإنْ حدث فيكون عادة للمشاريع الصحافية الضخمة. ومع أن القصة طويلة، لكن إذا حاولت التركيز على كيفية كتابتها لا على القصة بحد ذاتها، سيساعدك ذلك على قراءتها كلها. ستجد الكثير من التعليقات والشروح والرؤى داخل المادة.
تحرير المضمون
مخطط تحرير المضمون
الآن وقد قرأت «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»؛ (لا بأس إنْ لم تستطع)، يمكنك أن تلقي نظرة على مخطط تحرير المضمون والأسئلة المتعلقة به. ففيما يأتي، سنبحث عن إجابات لهذه الأسئلة.
يقوم مخطط «تحرير المضمون» على تقييم العمل ككل. تغطي الأسئلة في المخطط خمسة مجالات، وليس بالضرورة أن تكون جميعها حاضرة في نصّك أو قصتك:
-
الفكرة العامة للقصة/النص
-
البنية/الحبكة
-
نمو الشخصية
-
التأثير الدرامي
-
الاستمرارية والمصداقية والاتساق والسببية.
سندخل في تفاصيل كل مجال في الأقسام التالية من الكتاب.



-
عن ماذا تتحدث قصتك؟ ما الحدث المركزي فيها؟ الصراع؟ الفرضية (أو إحدى المقدمتين الصغرى والكبرى) Premise؟ ما التيمة Theme؟
-
من الشخصية الرئيسية؟ هل هي فريدة؟ هل سيميزها القارئ؟
-
هل زمن القصة يخدم القصة؟
-
أين تجري أحداث القصة؟ هل يعزز المكان الأحداث؟
-
لماذا قصتك مثيرة لاهتمام القارئ؟ هل تثير المشاعر؟
-
-
هل تتعاقب الأحداث في قصتك؟ هل يوجد انسجام فيما بينها؟ هل ثمة بداية مثيرة Hook Beginning أو ما يسمى بـ «الخُطاف القصصي»؟ هل منتصف القصة يحث على مواصلة القراءة؟ هل تترك النهاية أثراً؟
-
هل أوضحت السؤال الأساسي الذي تطرحه القصة: ما الذي تريد القصة / أو شخصيتها الأساسية قوله (الغاية)؟
-
هل تتكشف الشخصية من خلال الحبكة؟ هل تطوّر الحبكة الصراع الدائر؟ هل بها مفاجآت؟ تحولات وانعطافات؟
-
هل تواجه الشخصية الأساسية عقبات؟ هل هي مجبرة على سلوك معين؟ واتخاذ خيارات صعبة؟
-
هل ترتيب المَشَاهِد ووتيرتها يساعد على نشوء الصراع وتطوره؟ هل ثمة شدّ وتوتر Tension في القصة؟ هل ثمة تشويق؟
-
هل لكل أكشن سبب ونتيجة؟ يدفع الحبكة إلى الأمام؟
-
هل تطور القصة منطقي؟ حلٌّ Resolution مُرضٍ؟ يجاوب على السؤال الذي طرحته القصة؟
-
-
هل الشخصية / الشخصيات الرئيسية في القصة تثير التعاطف؟ ما أحلك أسرارها؟ الشغف الذي يقودها؟ العيب الفادح فيها؟
-
ما تصورها عن ذاتها؟ الوظيفة التي تشغلها؟ ما تحب؟ وما تكره؟ الصراعات؟ سماتها وما يميزها؟
-
هل تكافح؟ تنمو؟ تخاطر؟ تتخذ مواقف؟ تظهر الشجاعة؟ تتغير؟
-
ما هدفها؟ هل يستحق الهدف العناء؟ ما دوافعها؟
-
هل الشخصية / الشخصيات الرئيسية معروضة جيداً؟ دوافعها جيدة؟ أصلية؟ متنوعة؟
-
هل تخدم الشخصية / الشخصيات غرضاً درامياً؟ هل يمكن استبعادها؟
-
-
هل تبدأ القصة بالحدث الأكثر درامية؟ وفي لحظة أكشن؟
-
هل الشخصية الرئيسية هي التي تسرد القصة (أو ما يسمى وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء) أم الراوي/الكاتب؟ هل الشخصية مضطرة للتغيير؟
-
هل خلفية القصة Settings أو محيطها يخلق أجواء درامية؟ شعوراً قوي بالزمن؟ بالمكان؟ تعكس الشخصية؟ تعزز الحبكة والتيمة؟
-
هل أدوات القصة (الانتكاس الدرامي Dramatic Reversal، الإلماع إلى قرب حدوث أمر ما Foreshadowing، الفلاش باك إلخ) تزيد الشدّ والتوتر Tension في القصة؟ وتدفعها إلى الأمام؟
-
ما العناصر، الشخصيات، المشاهد، الحوارات التي يمكن حذفها لإضافة الزخم Momentum إلى القصة؟
-
هل الشخصية الرئيسية للقصة والشخصية النقيضة (إنْ وُجِدَتْ) متساويتين؟ على حافة الأزمة؟ تتصارعان؟
-
الاستمرارية Continuity / المصداقية Credibility/ الاتساق Consistency/ السببية Causality
-
هل تغيرت وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء Point of View؟ أم سقطت في مكان ما؟ أو أصبحت ضعيفة؟
-
هل الشخصيات وما تقوم به من أكشن قابلة للتصديق؟
-
هل النبرة Tone والستايل والصوت السردي Narrative Voice مناسبة للقارئ المقصود؟
-
هل التركيبة / الحبكة جديرة بالتصديق، أم تنقصها العناصر الواقعية؟ التسلسل الزمني؟ التشويق؟
-
هل قلتَ ما أردت قوله؟ على نحو مثير للاهتمام؟ ودرامياً؟
-
هل جميع عناصر القصة والشخصيات تتسم بالاستمرارية، والمصداقية، والاتساق، والسببية؟
-

هربرت جورج ويلز
١٨٦٦ - ١٩٤٧
روائي وكاتب قصص بريطاني
آلة الزمن - الرجل الخفي

جان فانوليا
١٩٢٨ - ٢٠٢٠
كاتبة ومحررة أمريكية
Rewrite Right!
«لا يوجد شغف في العالم يعادل شغف تغيير مسودة شخص آخر. »»» هربرت ويلز
«... إلّا إذا كان ذلك الجلوس وتحرير مادتك بنفسك.»»» جان فانوليا
الفكرة العامة للقصة
Story Concept
-
عن ماذا تتحدث قصتك؟ ما الحدث المركزي فيها؟ الصراع؟ الفرضية (أو إحدى المقدمتين الصغرى والكبرى) Premise؟ ما التيمة Theme؟
-
من الشخصية الرئيسية؟ هل هي فريدة؟ هل سيميزها القارئ؟
-
هل زمن القصة يخدم القصة؟
-
أين تجري أحداث القصة؟ هل يعزز المكان الأحداث؟
-
هل قصتك تثير اهتمام القارئ؟ هل تثير المشاعر؟
السؤال الأول: عن ماذا تتحدث قصتك؟
الجواب بجملة واحدة:
هذه القصة عن (الشخصية الرئيسية) التي تريد (الهدف) كذا.
مثال:
هذه قصة «أحمود ماركيز أربيري، وهو من السود في أميركا، أراد أن يعيش حياة طبيعية مثل أقرانه من البِيْض، لكن النظام القائم على سيادة البِيْض عوّقه، فدفع حياته ثمناً لذلك».
إذا كانت إجابتك واضحة وموجزة، فأنت تمسك جيداً بالفكرة العامة لقصتك. إن لم تكن كذلك، فأمامك عمل وعليك إنجازه. تذكر: القصة صراع / تغيير.
إذا كانت القصة تتناول المخاوف العميقة في حياة الناس، فإن «الفرضية» Premise و«التيمة» Theme مهمتان.
في كتابه Art of Dramatic Writing، يقول ليوش إيغري إن «الفرضية» هي القوة/العاطفة الدافعة للقصة.
«الفرضية» تجعلك ملتزماً بخط قصتك.
مثال:
«فرضية» قصة أحمود ماركيز أربيري، هي:
السياسات العنصرية في أمريكا تؤدي إلى إعدام السود في الشوارع دون محاكمات قانونية.
التيمة: بالمصطلحات الحديثة «سيادة العرق الأبيض» White Supremacy في أميركا، أو «حياة السود مهمة».


الفرضية أو المقـدمة المنطقيـة Premise
وهي افتراضٌ لدعم أو تبرير استنتاج معين. وتُستَخدم عادة في التفكير النقدي، لبناء حجج منطقية. ويُطلق عليها أيضا اسم: المقدمة الكبرى والمقدمة الصغرى.
مثال:
-
المقدمة الكبرى: الثدييات جميعها هي حيوانات ذوات الدم الحار.
-
المقدمة الصغرى: الحيتان ثدييات.
-
الاستنتاج: الحيتان هي حيوانات ذوات الدم الحار.
في هذا المثال، المقدمة الكبرى تقيم مبدأً عاماً أو سمة للثدييات، بكونها ذوات الدم الحار. المقدمة الصغرى تقيم مثالاً محدداً، بكون الحيتان تنتمي إلى الثدييات. تُستخدم المقدمتان لدعم الاستنتاج الذي يقول إن الحيتان هي حيوانات ذوات الدم الحار.
الهيكل المنطقي لهذه الحجة هو أنه إذا كانت المقدمات صحيحة، وطريقة الاستنتاج صالحة، فإن الاستنتاج يعتبر صحيحاً.
التيمـة: الفكرة الأساسية Theme
وهي:
-
الفكرة المحورية المهيمنة.
-
الفحوى أو المغزى المتضمن في القصة.
-
البنية / الحبكة
Structure / Plot
-
هل تتعاقب الأحداث في قصتك؟ هل يوجد انسجام فيما بينها؟ هل ثمة بداية مثيرة Hook Beginning أو ما يسمى بـ «الخُطاف القصصي»؟ هل منتصف القصة يحث على مواصلة القراءة؟ هل تترك النهاية أثراً؟
-
هل أوضحت السؤال الأساسي الذي تطرحه القصة: ما الذي تريد القصة / أو شخصيتها الأساسية قوله (الغاية)؟
-
هل تتكشف الشخصية من خلال الحبكة؟ هل تطوّر الحبكة الصراع الدائر؟ هل بها مفاجآت؟ تحولات وانعطافات؟
-
هل تواجه الشخصية الأساسية عقبات؟ هل هي مجبرة على سلوك معين؟ واتخاذ خيارات صعبة؟
-
هل ترتيب المَشَاهِد ووتيرتها يساعد على نشوء الصراع وتطوره؟ هل ثمة شدّ وتوتر Tension في القصة؟ هل ثمة تشويق؟
-
هل لكل أكشن سبب ونتيجة؟ يدفع الحبكة إلى الأمام؟
-
هل تطور القصة منطقي؟ حلٌّ Resolution مُرضٍ؟ يجاوب على السؤال الذي طرحته القصة؟
في بناء الحبكة، عليك اتخاذ الخيارات وطرح الأسئلة الصعبة.
هل تدفع الحبكة القصة إلى الأمام؟ تكشف عن الشخصية؟ تطور الصراعات الدائرة؟ تخلق التشويق؟ تضفي البعد الدرامي؟
إذا شعرت بالملل في أي جزء من قصتك، فإن القارئ سيشعر بذلك أيضاً. لذا لا تتردد في إعادة الكتابة.
في «حياة في اثنتي عشرة دقيقة»، بنى ميتشل جاكسون مادته بطريقة أقل ما يقال عنها إنها فريدة. لشرح ذلك، عليك معرفة أن «الحبكة» تختلف عن القصة.
فإذا قلنا:
مات الملك، ثم ماتت الملكة.
فتلك قصة.
أما إذا قلنا:
مات الملك، ثم ماتت الملكة حزناً عليه.
فهذه حبكة.
ما فعله جاكسون، هو أنه بنى «القصة» (الدقائق الـ١٢ الأخيرة من حياة مود) في خط منفصل عن «الحبكة» (وهي تأملاته ومقابلاته وسلسة الأفعال، والصراع بين القوى، التي أفضت في نهاية الأمر إلى مقتل مود).
فخط القصة، وخط الحبكة، يسيران بالتوازي أحياناً؛ يتشابكان ويتصادمان أحياناً أخرى. لكنهما في نهاية المادة يتداخلان ليبثّا الحياة مجدداً في أحمود «مود» أربيري.


ميتشل جاكسون
الصـراع، التضارب، النزاع Conflict
الصراع الدرامي هو الصراع الذي ينمو من تفاعل قوى متعارضة (أفكار ومصالح وإرادات) في حبكة، ويمكن القول ان الصراع هو المادة التي تبنى منها الحبكة.
وللصراع أنواعه المختلفة:
فهنالك الصراع البدائي الأولي بين الإنسان والعالم الطبيعي. الصراع الاجتماعي بين الإنسان والإنسان، أو صراع الفرد ضد المجتمع. الصراع النفسي. صراع الإنسان ضد القدر.
شخصـية Character(خصيصة ـ صفة أو طابع ـ خلق)
المعنى الشـائع هو مجمل السمات والملامح التي تشكل طبيعة شخص أو كائن حي.
وهي تشير الى الصفات الخلقية والمعايير والمبادئ الاخلاقية ولها في الأدب معان نوعية أخرى، وعلى الأخص ما يتعلق بالشخص الذي تمثله القصة.
الحبكة Plotوهي ترتيب الأحداث للوصول إلى تأثير مقصود. والحبـكة هي سلسلة من الأفعال التي تصمم بعنـاية وتتشابك صلاتها وتتقدم عبر صراع قوي بين الأضداد إلى ذروة وانفراج.
وتختلف الحبكة عن القصـة أو عن خط القصة (ترتيب الأحداث كما وقعت).
فإذا قلنا:
مات الملك ثم ماتت الملكة،كان ذلك قصة.
وإذا قلنا:
مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه،
كان ذلك حبكة.
التشـويق Suspense
حالة من عدم التأكد الذهني والترقب والقلق والاستثارة أو عدم الحسم. والكلمة مستمدة من أصل لاتيني يعني أمراً معلقا، ولذلك فقد ترك دون حسم.
في الادب تشير الكلمة الى ترقب القارئ لما ستكون عليه نهاية الأحداث في رواية أو قصـة أو تمثيلية.
وهي صفة من صفات التوتر الذي يجعل الجمهور مهتماً ويجعله يتساءل ما الذي سيحدث بعد ذلك.
وقد يتباين التشويق ابتداء من تقديم قرينة في الروايات البوليسية ذات القالب الثـابت التقليدي، إلى ما استخدمه سوفوكليس في «أوديب ملكاً» (إخفاء معرفة أن أوديب قد قتل والده الفعلي).
حل (قرار) Resolution
الأحداث التي تعقب الذروة في القصة وتشير إلى موضع بداية حل العقدة.
الحبكة لا تكون بالضرورة دائماً قصة إنسانية أو «فيتشر». قد يمتلك التقرير العادي «حبكة».
انظر إلى هذا التقرير الذي نشرته صحيفة «لوس أنجلوس تايمز»، وفاز بجائزة بوليتزر في 2023 عن فئة التقارير. ستجد فيه كل عناصر الحبكة.
سياسيون يثيرون الغضب بعد تعليقات عنصرية في تسجيل صوتي مسرب
خلف الأبواب المغلقة، أدلت نوري مارتينيز، رئيسة مجلس مدينة لوس أنجلوس، بتعليقات عنصرية جهراً، سخرت فيها من زملاء لها في المجلس، واستخدمت تعابير فظّة غير معهودة عن تقسيم المدينة سياسياً. الحديث ظل سراً لمدة عام تقريباً، إلى أن تردد صداه في تسجيل مسرب يوم الأحد، ما وجّه أنظار المدينة الكبيرة المترامية الأطراف نحو مبنى بلدية مدينة لوس أنجلوس. بحلول مساء الأحد، ثلاثة من زملاء مارتينيز في المجلس طالبوها بتقديم الاستقالة. وتحوّل التسريب إلى قضية جديدة مثيرة للجدل في الانتخابات المقررة في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، إذ اضْطُر المرشحون - وبعضهم ممّن تدعمهم مارتينيز - إلى اتخاذ موقف منها. ويبدو أنّ مارتينيز وقادة الأمريكيين اللاتينيين الآخرين الحاضرين في الجلسة، لم يعلموا أن حديثهم يُسجّل؛ تقول مارتينيز في التسجيل إن أحد أعضاء المجلس من البِيض يتعامل مع ابنه الأسود الصغير كما لو كان «إكسسواراً»، ووصفت ابن عضو المجلس مايك بونين بـأنه «يشبه القرود».
الحبكة موجودة حتى في الخطابات؛ انظر إلى خطاب القسم الذي ألقاه إبراهام لينكولن في 4 مارس / آذار 1865، وقد كانت الحرب الأهلية الأمريكية قد شارفت الانتهاء:
من دون ضغينة تجاه أحد، بمحبة تجاه الجميع، وبالحزم في الحق كما يُرِيه الله لنا، لنجاهد من أجل أن ننهي ما بدأنا به، أن نضمّد جراح الأمة، أن نرعى ذلك الذي تحمل مشاق المعركة، نرعى أرملته وأيتامه، أن نفعل كل ما يمكن لتحقيق سلام عادل ودائم وتعزيزه بيننا، ومع الأمم جميعها.
كما ترى، ثمة عرض للمشكلة «بدون ضغينة تجاه أحد، بمحبة تجاه الجميع، وبالحزم في الحق كما يُرِيهُ الله لنا»، ثم تصاعد الأكشن فيها «لنجاهد من أجل أن ننهي ما بدأنا به، أن نضمّد جراح الأمة، أن نرعى ذلك الذي تحمل مشاق المعركة، نرعى أرملته وأيتامه»، ثم الحل «أن نفعل كل ما يمكن لتحقيق سلام عادل ودائم وتعزيزه بيننا ومع الأمم جميعها.»

مثال على الحبكة التي تدفع بعجلة القصة إلى الأمام:
اقرأ مطلع هذه القصة للصحفية لين ديغريغوري، التي فازت بجائزة بوليتزر عام 2009 عن فئة الفيتشر.
المشهد الافتتاحي أدناه، أعيد بناؤه بعد ثلاث سنوات من الحادث، من خلال الشهادات وتحقيقات الشرطة؛ إذ إن ديغريغوري لم تكن حاضرة هناك. انظر كيف تدفع هذه الحبكةُ القصةَ إلى الأمام؛ أي أن القارئ يريد أن يعرف ماذا حدث بعد ذلك. انتبه أيضاً كيف تَستخِدم حاستَيّ اللمس والشم.
فتاة النافذة
كانت العائلة تعيش في منزل مستأجر متهالك منذ ثلاث سنوات تقريباً عندما رأى أحدهم لأوّل مرة وجه طفلة في النافذة. فتاة صغيرة شاحبة ذات عيون داكنة، رفعت بطانية قذرة فوق زجاج النافذة المكسور، وهي تحدّق في الخارج؛ بحسب ما تذَكّرَه أحد الجيران. كان الجيران يعرفون أن امرأة تعيش في المنزل مع صديقها وابنيها البالغين. لكنهم لم يروا طفلاً هناك من قبل. لم يحدث أن شاهدوا أحداً يلعب في الفناء الذي تغطيه الأعشاب البرية بسبب الإهمال. بدت الفتاة صغيرة السن، 5 أو 6 أعوام، ونحيفة. نحيفة جداً. خدّاها مقعران؛ وعيناها غائرتان. تأملت الطفلة في البقعة التي تضربها أشعة الشمس، ثم انسحبت. مرّت الشهور. لم تظهر الفتاة ثانيةً. تماماً، قبيل ظهيرة يوم 13 يوليو 2005، توقفت سيارة شرطة «بلانت سيتي» أمام تلك النافذة المكسورة. دخل شرطيان إلى المنزل، ثم خرج أحدهما مترنّحاً. الشرطي المستجد أمسك ببطنه، وتقيأ على الأعشاب. كان المحقق مارك هولستي قد قضى 18 عاماً في شرطة «بلانت سيتي» عندما أُرْسِل هو وشريكه الشاب إلى المنزل في شارع «أولد سيدني» للمساندة في تحقيق عن حالة إساءة معاملة الأطفال. كان أحدهم قد اتصل أخيراً بالشرطة. وجدوا سيارة أمام المنزل. كان باب السائق مفتوحاً وامرأة منهارة على المقعد، تبكي. كانت المحققة من دائرة «الطفل والأسرة» في ولاية فلوريدا. «لا يُصدَق»، قالت لهولستي. «هذا أسوأ ما رأيته في حياتي.» دخل الشرطيان عبر الباب الأمامي، إلى غرفة المعيشة الضيقة. «مررت بغرف تعفنت فيها جثث لمدة أسبوع، ولم يكن رائحتها بهذا السوء،» قال هولستي لاحقاً. «أمرٌ يفوق الوصف. بول وفضلات؛ براز الكلاب والقطط والبشر، ملطخة على الجدران ومهروسة على السجادة. كل شيء رطب وعفن.» ستائر رثة مصفرّة، بسبب دخان السجائر، تتدلى من قضبان معدنية معوجّة. الكرتون وَاللُّحُف القديمة محشورة في نوافذ وسخة ومكسورة. القمامة تغطي الأريكة الملطخة والمناضد الدبقة. الأرضية والجدران وحتى السقف، بدت كأنها تتمايل مع جحافل الصراصير المتزاحمة. «بدا الأمر كأنك تمشي على قشور البيض. إذ لا يمكنك أن تخطو خطوة واحدة دون طقطقة الصراصير تنسحق تحت رجليك»، قال المحقق. «كانت داخل الإضاءات، داخل الأثاث. حتى داخل الثلاجة. الثلاجة!» بينما كان هولستي يلقي نظرة حوله، اعترضت المرأة البدينة بردائها المنزلي الباهت مطالبة بمعرفة ما يجري داخل بيتها. نعم، كانت تعيش هنا. نعم، كان هؤلاء ابناها في غرفة المعيشة. ابنتها؟ حسناً، نعم، كانت لديها ابنة... مشى المحقق مارّاً بها، باتجاه الممر الضيق. دفع الباب من مقبضه ففتح على مساحة بحجم خزانة الملابس. أمعن النظر في العتمة. عند قدميه، تحرّك شيء ما. أوّل ما رآه كان عينا الفتاة: كانتا داكنتين وواسعتين، من غير تركيز، لا ترمشان. لم تكن تنظر إليه بقدر ما كانت تنظر عبره. استلقت في فراش ممزق، وعفن على الأرض. تلوَّتْ على جانبها، بينما كانت ساقاها الطويلتان مثنيتين نحو صدرها النحيل. ضلوعها وعظميا الترقوة ناتئة؛ ذراعها النحيفة التفَّتْ حول وجهها؛ وشعرها الأسود متشابك ومليء بالقمل. لدغات الحشرات والطفح الجلدي والقروح تغطي بشرتها. ورغم أنها بدت كبيرة بما يكفي لتكون الآن في المدرسة، إلا أنها كانت هناك عارية من كل شيء ما عدا الحفاظة المنتفخة. «كومة الحفاظات القذرة في تلك الغرفة كانت بارتفاع 4 أقدام»، قال المحقق. «كُسِرَ زجاج النافذة، والطفلة كانت ترقد تماماً هناك محاطة ببرازها وبالحشرات.» عندما انحنى ليرفعها، أصدرت صوتاً كثغاء الخروف. «شعرتُ وكأنني أرفع رضيعًا»، قال هولستي، «وضعتها على كتفي، وبدأ سوائل الحفاض تتسرب على ساقي.» الفتاة لم تقاوم. سأل هولستي: ما اسمك، حبيبتي؟ بدت الفتاة كأنها لم تسمع. بحثَ عن ثياب ليُلبسها، ولكنه وجد فقط ثياباً متكتلة ملطخة بالبراز. بحث عن لعبة أو دمية حيوان محشو، «ولكن ما وجدته كان مغطى باليرقات والصراصير.» كبح جماح غضبه، اقترب من الأم، وسألها: كيف تجرّأت على فعل هذا؟ «قالت الأم: هذا ما استطعته»، قال المحقق. «قلت لها: ما استطعتِه يبدو سيئاً جداً!» أراد أن يعتقل المرأة على الفور، لكن عندما اتصل برئيسه، قال له أن يترك الأمر لوكالة الرعاية الاجتماعية لتجري تحقيقها الخاص. حمل المحقق الفتاة عبر الممر المظلم، مارّاً بشقيقيها، وبوالدتها عند الباب، التي كانت تزعق: «لا تأخذوا طفلتي!» ثم ثبّت الطفلة بحزام مقعد سيارة محققة الولاية. المحققة وافقت قائلة: يجب أخذ الفتاة من هنا فوراً. «اتّصلْ مع مستشفى تامبا العام»، يتذكر المحقق ما قاله لشريكه. «إذا لم تصل هذه الطفلة إلى المستشفى، فلن تبقى على قيد الحياة».
نمو الشخصية
Character Development
-
ما هي خلفية الشخصية الرئيسية في القصة؟ وهل تؤثر في قراراتها وأفعالها؟ كيف تصف الشخصية؛ هل يعكس الشكل المضمون؟ ما هي نقطة قوتها وضعفها؟ هل هي متوازنة أم معقدة؟
-
ما الذي يدفعها؟ هل لها أهداف قصيرة / طويلة الأمد؟ كيف تؤثر دوافعها في تقدم القصة؟
-
كيف تتطور الشخصية خلال أحداث القصة؟ هل تؤثر الأحداث فيها؟ هل تكافح؟ تنمو؟ تخاطر؟ تتخذ مواقف؟
-
ما هي علاقات الشخصية مع الآخرين في القصة؟ كيف تؤثر هذه العلاقات على الشخصية؟ هل هنالك صراعات داخل هذه العلاقات؟
-
هل تتسق لغة الشخصية، ولهجتها، وصوتها، ونبرتها، مع توصيف الشخصية؟
-
ما الذي يجعل الشخصية الرئيسية مختلفة أو فريدة؟ هل لها عادات معينة تؤثر في مجرى القصة؟
-
ما الذي يجعل القارئ يتعاطف / يتماهى مع الشخصية؟ أو يرفضها؟
اختر من الأسئلة الزوايا التي تلائم قصتك. الشخصية تقوم بأفعال، وتتخذ خيارات فتتكشف للقارئ.
الفكرة / المشكلة التي تطرحها القصة ستساعد على اختيار الأسئلة الصحيحة، وهي أيضاً مفتاح نمو الشخصية.
مثلاً، كُتبت قصة «حياة في اثنتي عشرة دقيقة» بطريقة مفعمة بالحيوية عن الحياة القصيرة والمأساوية لأحمود ماركيز أربيري؛ الشاب الأسود البالغ من العمر 26 عاماً الذي طُرِدَ، وقُتِلَ في أثناء ممارسته رياضة الجري في حي ذي غالبية بيضاء في ولاية جورجيا.
تقدم حبكة القصة تفاصيل غنية عن حياته، وعائلته، وطموحاته. تُؤنسِنُهُ وتقدّمهُ للقارئ شخصاً من لحم ودم؛ شخصية تنمو وتتغير، تقع وتنهض، تفشل هنا وتنجح هناك، ما جعل مقتله ظلماً، فاجعة لها أثرها المستمر. ويحاول الصحفي ميتشل جاكسون، كاتب القصة، أن يُحدث التغيير من خلالها. «التغيير» هو ما تريد القصة قوله بعد تصاعد الأحداث فيها إلى الذروة بمقتل «مود». ويُسمى في السرد الأدبي «الحل» Resolution؛ أو الأحداث التي تعقب الذروة، وتشير إلى موضع بداية حل العقدة / المشكلة.
تستكشف حبكة القصة قضايا أوسع؛ قضايا الظلم العرقي، والتحيز، وعدم المساواة في الولايات المتحدة. فقد أظهرت أن مقتل أربيري كان نتاج عنصرية منظمة.
في النثر الأدبي، يوجّه الكاتب نظر القارئ إلى الأشياء الملموسة ليشاهدها بنفسه. فالعيون تتجه إلى بطل القصة؛ محرّك الأحداث وقوتها الدافعة. وفي أثناء مسعاه إلى تحقيق أهداف معينة، تتطور شخصية البطل من خلال الخيارات المختلفة المتاحة أمامه؛ يخاطر فتنفضح دوافعه وأسراره، يتخذ مواقف فتظهر عيوبه، يتغيّر فيتكشف الشغف الذي فيه. تتطور الحبكة من خلال المفاجآت والتحولات والانعطافات؛ أي من خلال الأكشن الملموس، خالقة الشدّ والتوتر والتشويق.
في هذا، لا تختلف القصة الصحفية كثيراً عن القصة الأدبية:
القصة الصحفية تستند إلى الوقائع لنقل المعرفة وتقديم الترفيه في موضوعات تجري في العالم الحقيقي.
القصة الأدبية تستند إلى الخيال لنقل رسائل وقيم إنسانية وتقديم الترفيه من خلال سرد مبتكر، وقد يكون له صلة بالعالم الحقيقي.
لكن كلتيهما تقوم على الشخصيات؛ إنْ ضاعت، ضاع كل شيء.
ما الدور الذي تقوم به الشخصيات؟
فكّر في الروايات التي أعجبتك، هل تتذكّر الشخصيات التي عشت معها الصفحة تلو الأخرى، حتى كنتَ تتمنى ألا تنتهي الرواية أبداً؟ ما الذي تتذكره بوضوح أكبر: الشخصيات أم الحبكة؟
فكّر أيضاً في الأفلام التي شاهدتها، وأثّرت فيك، أتتذكر حبكة الفيلم أم الممثلين؟ هنالك كتاب بعنوان: Characters Make Your Story، فالعنوان يقول كل ما تحتاج إلى معرفته. إذا دبّت الحياة في الشخصيات على الصفحة، فإن ما تفعله هذه الشخصيات يصبح القصة.
والحال، أن الأدب كان مدخلاً لتيار في الصحافة سُمّي فيما بعد الصحافة الأدبية أو السردية، ابتدأه الصحفي والروائي البريطاني جورج أورويل بمقالة كتبها خلال رحلة استشفاء من مرض السل في المغرب عام 1939 بعنوان «مراكش»، وأُسيل حولها الكثير من الحبر. وفي الستينيات وجد هذا التيار زخماً ليتوج في عام 1973 بكتاب نشره الصحفي الأمريكي توم وولف بعنوان «الصحافة الجديدة» وهو مجموعة من المقالات المختارة، وكان بمثابة البيان رقم واحد أو مانفيستو الصحافة الأدبية. مشكلة وولف أنه كان يروّج حينها لموت الرواية الأدبية القائمة على تخيل الأحداث والشخصيات، ولفكرة أن الصحافة الأدبية ستحل محلها بأحداثها وشخصياتها الحقيقية. لم تمت الرواية، لكن استعارة تقنياتها في الصحافة استمرت.
أدى تطبيق تقنيات السرد في الكتابة الصحفية إلى إنتاج بعض القصص الأكثر إثارة خلال العقود القليلة الماضية. فبدلاً من "الراوي" الغامض mysterious الموثوق authoritative كلَّي المعرفة omniscient في صياغة الأخبار، تلجأ الصحافة السردية إلى بناء القصة مشهداً بعد مشهد لأن الصحفي يكون متواجداً -ولو مجازاً- على «الأرض» حيث يدون الملاحظات، ويجري المقابلات والحوارات المعمقة مع الشخصيات المنخرطة في الحدث المعني. ويُروى الحدث من وجهة نظر الشخص الثالث أو ما يُسمى في اللغة العربية ضمائر الغائب: هو، هي، هم، ما يساعد الكاتب على تقديم شخصيات متعددة ومستويات مختلفة للسرد والحبكة بالطريقة التي تعمل بها الكاميرا في الأفلام من زووم-آوت وزووم-إن.
ولعل أحد الأمثلة الحديثة على استخدام تقنيات السرد في الصحافة، ما نشرته واشنطن بوست عن اللاجئ السوري مازن الحمادة الذي قرر العودة إلى سوريا. فعلى مدار أكثر من 3500 كلمة وفيديوهات وتسجيلات صوتية أُعِدت خصوصاً لهذه المادة، تتنقل الصحفية ليز سلاي من مشهد إلى مشهد، ومن زووم-آوت إلى زووم-إن، لتضع القارئ أمام الصورة الأكبر لمأساة السوريين، راسمةً مصاير أولئك الذين تحولوا إلى بقايا بشر تطاردهم أشباح الانتقام بعد أن أنهكتهم الحرب على مدار 10 سنوات، وأولئك الذين استطاعوا الفكاك من أسر الماضي، وبدؤوا حياة جديدة في أوطان غير وطنهم الأم.
تمسك ليز سلاي، الصحفية البريطانية المتمرسة، بيد القارئ، وترشده خطوة بخطوة، عبر سرد صحفي، ليستكشف بنفسه حقيقة ما خلفته الحرب في سوريا. ويكفي أن تقرأ الفقرات الأولى لتعرف أنك أمام سرد صحفي رزين:
بجسده النحيل ووجهه الجزِع ودموعه الغزيرة، أصبح مازن الحمادة رمزاً لمعاناة ضحايا التعذيب السوريين. بعد هربه من سوريا إلى هولندا، سافر كثيراً، وروى للجمهور في جميع أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا، قصصاً عن الفظائع التي تعرض لها خلال اعتقاله بسجن في دمشق.
ثم فجأة، وفي خطوة غامضة عصيّة على التفسير، لا بل ربما في خطوة انتحارية، عاد قبل نحو عام إلى سوريا، ليخاطر مرة أخرى بالوقوع في قبضة حكومة وحشية كان قد جاهد لشجبها.
اختفى مازن منذ ذلك الحين، تاركاً وراءه أسرة وأصدقاء هالهم تفسير الدافع وراء أن يُقْدم رجل مثقل بندبات جروحه الماضية، على العودة إلى أحضان جلّاديه. وما يخشونه هو دخوله مرة أخرى في كابوس نظام السجون في سوريا.
ففي هذه الفقرات الأولى، تحدد سلاي ثلاثة من أهم العناصر التي ترسي قواعد سرد القصة. فهي أولاً ترسم نبرة الصوت Tone (نغمته) أو موقف الكاتب من القصة التي يسردها أو جوها العام؛ وهي هنا تهيئ القارئ بأنه سيقرأ (أو إذا شئت: سيسمع) قصة جديرة بالقراءة: تعرض لفظائع في التعذيب، مع ذلك قرر العودة بملء إرادته لحضن جلاديه. هذا وحده كفيل بجعل أذن القارئ تنتصب لمعرفة المزيد.
ثم تضع المنظور Perspective والصوت Voice (بمعنى مَنْ يرى ومَنْ يتكلم في القصة)، فهي لن تسرد القصة من وجهة نظرها الأمر الذي قد يرمي بظلال الشك حول دوافعها، بل أسرته وأصدقاؤه الذين هالهم تفسير ما جرى. وفي غضون ذلك فإنها ستلعب دور الراوي الذي يساعد القارئ على فهم الأحداث الدرامية التي ستتكشف أمامه واستيعابها، لتُبنى في النهاية الصورة الأكبر التي لا يراها عادة المنخرطين في الحدث.

في عام 1963، استطاع الصحفي الأسطورة جيمي بريسلين أن يخلّد ما كتبه ع ن مقتل جون كينيدي، بشخصية حفّار القبور «كليفتون بولارد» في قصة بعنوان: «إنه لشرف لي»:
كان كليفتون بولارد واثقاً تماماً أنه سيذهب إلى العمل الأحد، فعندما استيقظ في التاسعة صباحاً في شقته المكونة من ثلاث غرف في شارع «كوركورين»، ارتدى أفرول العمل الكاكي قبل التوجه إلى المطبخ لتناول الفطور. زوجته، هيتي، أعدّت له اللحم المقدد مع البيض. كان بولارد قد بدأ بتناول طعامه عندما جاءته المكالمة الهاتفية التي كان ينتظرها. كانت من مازو كوالشيك، كبير حفّاري القبور في مقبرة «أرلينغتون» الوطنية، حيث يعمل بولارد لكسب لقمة العيش. سأله كوالشيك: «بولي، هل يمكنك أن تكون هنا بحلول الساعة 11 هذا الصباح؟ أظن أنك تعرف السبب»، بولارد كان يعرف حقاً. أنهى المكالمة، فرغ من تناول فطوره، وغادر شقته ليقضي يوم الأحد في حفر قبر جون فيتزجيرالد كينيدي.
في الأدب، يبدأ الروائيون العمل عادةً بتخيّل شخصية ما. وكذا في الروايات البوليسية التي تتمحور حول الشخصية، مثل: «شارلوك هولمز». ومع أن روايات المغامرات والجاسوسية والخيال العلمي والروايات الرومانسية الشعبية وأفلام الأكشن تبدأ أولاً بالحبكة، ثم تُسكَّن بالشخصيات، إلا أن هذه الشخصيات تبدو غالباً «مختلقة»، ولا تترك أثراً يُذكر.
الكاتب الذي يكون ولاؤه للشخصية تكون قصته أكثر قابلية للبقاء والاستمرار. فأحداث القصة لا تؤثر فينا إلا إذا عرفنا الشخصيات المنخرطة فيها. لماذا أصلاً سيهتم أي قارئ بأمر شخصية لا يعرفها؟! نحن نريد دائماً أن نقع في حب الشخصية، كما وقعت أمريكا في حب «كليفتون بولارد»؛ أن ننغمس بأسرع وقت ممكن في تفاصيل حياتها.
لنأخذ هذا المطلع الذي كتبه الصحفي كيث برادشر، الحائز على جائزة البوليتزر عن قصة نشرها عام 1993 في «نيويورك تايمز»:
هنا على مرج صخري غرب تكساس، وبنهاية طريق غير معبدة على مسافة 10 أميال عبر أراض تغطيها نباتات «المَسْكيت» الشوكية، وتنتشر فيها ذئاب «القَيُّوط»، يتجمع المئات من حاملي سلعة استراتيجية في الولايات المتحدة الأمريكية.
إنها الماعز.
«تع، تع، تع، إررررر!» ينادي «بوب ريك»؛ مربّي ماشية، على ماعز «الأنقَرة» الهائمة على وجهها، لتناول وجبة من بذور القطن العالية البروتين، بينما يطارد كلبه تلك الشاردة عن القطيع.
من بين النزاعات جميعها التي يواجهها الرئيس كلينتون مع نهاية الحرب الباردة، ربما لا يوجد نزاع أغرب من محنة مربي الماشية التي تنتج صوفَ «الموهير»؛ السلعة التي اعتبرها الاتحاد السوفييتي «استراتيجية» لجيشه.
ففي نهاية الحرب الكورية، أقنع مربّو الماشية الكونغرس بإدراج تجارتهم ضمن برنامج السلع الاستراتيجية بوصفهم منتجين لصوف الماشية. لكن نظراً إلى تراجع استخدام الجيش الأمريكي لشَعْر الماعز «الموهير»، انتهى بهم الأمر بإرسال ثلاثة أخماس الإنتاج السنوي المدعوم بحلول عام 1990 إلى الاتحاد السوفييتي من خلال وسطاء يصنعون الأوشحة والقبعات والمعاطف.
مع زوال الاتحاد السوفييتي في العام التالي، انخفضت المبيعات، ما أدّى -في انعكاس غريب لفوائد السلام- إلى زيادة الإعانات الفيدرالية لمالكي هذه القطعان ذات الصوف الدهني بطبيعته.

ورغم أن هذه القصة تندرج ضمن قسم الاقتصاد أو المال والأعمال، فإننا ننغمس مباشرة في تفاصيل حياة «بوب ريك» وقطعان ماعزه، والأرض البور التي تجوبها الذئاب، وكيف أن الحظوظ قد انقلبت بسلعة «صوف الموهير» التي ينتجونها، حتى باتت حياتهم على المحك.
السرد في الصحافة العربية نادر، وثمة توجه إلى مقاومته، على اعتبار أنه كتابة «حيّة» أكثر مما ينبغي، و«ملونة» غير «نقيّة» لا تصلح لكتابة الخبر.
على العكس من ذلك تماماً، ينبغي على الكتابة، لكي تكون ناجحة، أن تغمر القارئ بكثافة التجربة التي يختبرها في القراءة؛ عاطفية كانت أم فكرية أو كلاهما، حتى لتبدو «التجربة» أحياناً أكبر من الحياة ذاتها. هذا ما فعله بريسلين في «إنه لشرف لي». الكتابة الباهتة لا تمنح المتعة.
ومهما تكن المعلومات والرؤى التي تَحْتَوِيهَا هذه الكتابة الباهتة، فإنها ستكون متاحة فقط لأولئك الذين يتحمّلون مشقة التنقيب عنها في النثر الباهت.
لا سبب يستدعي أن تكون الكتابة غير الأدبية -بما فيها الصحافة- غير ممتعة وغير مثيرة للاهتمام. فالمعلومات تفعل فعلها عندما تُصاغ لتلامس مشاعر القارئ. ولا يحتاج الصحفي أن يكون روائياً كي يستخدم أدواتٍ للكتابة تجعل القصة الصحفية أكثر إغناءً لتجربة القارئ.
عندما يحشر الصحفي مَنْ وماذا ومتى وأين ولماذا في الفقرة الأولى، فأنّى له أن يلفت انتباه القارئ إلى ما تبقى من القصة؟! الحقائق المجردة لا تكفي في معظم الأحيان لشد القارئ حتى النهاية. بل السياق؛ أي النص بوصفه حاوية المعلومات، هو ما يضيء هذه الحقائق، ويمنحها القوة والمعنى.
مع ذلك ينبغي توخّي الحذر، ففي الكثير من الأحيان تنتهي الكتابة الصحفية التي تحاول استعارة أدوات الكتابة الأدبية إلى المبالغة في التقليد، في محاولة لجذب انتباه القارئ إلى مادة باهتة أصلاً. وسنأتي إلى تفصيل ذلك في الفصول القادمة.
التأثير الدرامي
-
هل تبدأ القصة بالحدث الأكثر درامية؟ وفي لحظة أكشن؟
-
هل الشخصية الرئيسية هي التي تسرد القصة (أو ما يسمى وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء) أم الراوي/الكاتب؟ هل الشخصية مضطرة للتغيير؟
-
هل خلفية القصة Settings أو محيطها تخلق أجواء درامية؟ شعوراً قوياً بالزمن؟ بالمكان؟ تعكس الشخصية؟ تعزز الحبكة والتيمة؟
-
هل أدوات القصة (الانتكاس الدرامي Dramatic Reversal، الإلماع إلى قرب حدوث أمر ما Foreshadowing، الفلاش باك إلخ) تزيد الشدّ والتوتر Tension في القصة؟ وتدفعها إلى الأمام؟
-
ما العناصر، الشخصيات، المشاهد، الحوارات التي يمكن حذفها لإضافة الزخم Momentum إلى القصة؟
-
هل الشخصية الرئيسية للقصة والشخصية النقيضة متساويتان؟ على حافة الأزمة؟ تتصارعان؟
لا صراع، لا تغيير، لا قصة!
هل بدأت بأكثر الأحداث درامية؟ هل الشخصية الأكثر تأثيراً هي التي تروي القصة؟ هل تستغل العواطف القوية؟ هل يتصاعد الصراع؟
الاستمرارية، المصداقية، الاتساق، السببية
Continuity, Credibility, Consistency, Causality
-
هل تغيرت وجهة النظر أو نقطة استشراف الأشياء Point of View؟ أم سقطت في مكان ما؟ أو أصبحت ضعيفة؟
-
هل الشخصيات وما تقوم به من أكشن واقعية وقابلة للتصديق؟
-
هل النبرة Tone والستايل والصوت السردي Narrative Voice مناسبة للقارئ المقصود؟
-
هل التركيبة / الحبكة جديرة بالتصديق؟ التسلسل الزمني؟ التشويق؟
-
هل قلتَ ما أردت قوله على نحو مثير للاهتمام؟
-
هل جميع عناصر القصة والشخصيات تتسم بالاستمرارية، والمصداقية، والاتساق، والسببية؟
الانتكاس الدرامي Dramatic Reversal
انقلاب أو تغيير مفاجئ وغير متوقع في اتجاه القصة أو نتيجتها. وينطوي على تحولٍ كبيرٍ في السرد.
الإلماع في السرد Foreshadowing
إلماع، أو تلميح لأحداث أو تطورات أو نتائج قادمة داخل القصة. الإلماع يخلق شعوراً بالترقب، ويمهد للتطورات القادمة في القصة، أو يكشف عن شخصيات جديدة أو أحداث هامة.
الاستمرارية Continuity
تعني التدفق السلس للمعلومات وعناصر السرد في النص، وهي التي تخلق تجربة قراءة موّحدة ومتماسكة للقرّاء.
المصداقية Credibility
ترتبط بمدى قناعة القارئ بدقة المعلومات المقدمة، واستنادها إلى مصادر يمكن الوثوق بها.
الاتساق Consistency
التوازن والاستقرار في الأسلوب والبناء واللغة والتنسيق والمفاهيم والمعلومات عبر النص بأكمله، ما يعني تجانس النص وتدفقه بسلاسة وتناغم.
السببية Causality
العلاقات بين الأسباب والنتائج داخل سياق النص. أفعال أو أحداث أو ظروف معينة تؤدي إلى نتائج أو عواقب معينة.
لننظر إلى ما كتبه إيلي ساسلو، وهو أحد أفضل كتّاب الفيتشر في جيله. فاز بجائزة بوليتزر، وهو في الـ 32 من عمره، ثم فاز بها مجدداً في الـ 41 بهذه القصة في 2023 عن سائقة الحافلة رقم 15، المسلمة الأمريكية من أصل تركي «سونا كاراباي»؛ البطلة غير المحتفى بها التي تكسب رزقها في ظروف عمل صعبة يومياً إبّان جائحة كورونا في أمريكا.
يستخدم ساسلو أداة تقليدية في السرد الصحفي تسمى ride-along (المرافقة)، وذلك لاختبار التجارب اليومية التي تمر بها الشخصية في القصة، كقضاء يوم أو ليلة داخل سيارة الشرطة، أو سيارة الإسعاف، أو شاحنة النفايات، أو في حالتنا هذه، حافلة المدينة. يُضاف إلى ذلك، أداة أخرى fly on the wall (وتعني حرفياً الذبابة على الحائط) وتترجم عربياً بـ: عدسة الكاميرا، حيث يتحول المراسل الصحفي إلى مجرد «عدسة كاميرا» لا يُلحَظ وجوده، ولا أثر له في تطور الأحداث، مثل الذبابة على الحائط التي تشاهد كل شيء دون أن يلحظها أحد.
إيلي ساسلو يدرك الفرق بين كتابة تقرير وكتابة قصة. فـ «مَنْ؟» تصبح الشخصية الرئيسية في القصة، وهي السائقة التي تضع اللمسات الأخيرة على مكياجها، وتبدأ بتلاوة دعاء صباحي. و«ماذا؟» تصبح ما يحدث خلال المشاهد والمحطات المختلفة التي تمر بها البطلة. و«متى؟» تصبح الترتيب الزمني للأحداث. أيضاً الأشخاص يتحدثون، لكن ليس بصيغة اقتباسات، بل الحوار ذاته يتحول إلى أكشن يقود القصة. ففي بضع فقرات سريعة، ننغمس نحن القرّاء في عالم سائقة الحافلة.

غضب وحزن في الحافلة رقم 15
دنفر – وضعت سونا كاراباي [المسلمة التركية الأصل] اللمسات الأخيرة على مكياج عينيها، وهي تنظر في المرآة الخلفية، ثم استندت إلى عجلة القيادة لتتلو الدعاء الصباحي. «اللهم ارزقني الصبر،» قالت، «اللهم اجعلني رحيمة طيبة الأَثر.» سارت داخل الحافلة لتلقي النظرة الأخيرة قبل الانطلاق: الأرضية مُسِحَتْ، المقاعد نظيفة، المساند والمَسَّاكات معقمة، خزان الوقود ممتلئ بما يكفي لمناوبة عمل تستغرق 10 ساعات على أكثر طريق مزدحم في المدينة. قادت الحافلة إلى المحطة الأولى، انتظرت هناك حتى الساعة 5:32 صباحاً بالضبط، ثم فتحت الأبواب. «صباح الخير!» قالت، وهي تحيّي أول راكب لليوم؛ رجلٌ حافي القدمين يحمل بطانية ووسادة. أدخل 29 سنتاً في آلة التذاكر مقابل تذكرة رحلة تبلغ تكلفتها 3 دولارات. «هذا كل ما لدي،» قال. أومأت سونا له ليصعد إلى الحافلة. «جمعة مباركة!» قالت للناس الذي صعدوا إلى الحافلة تالياً، منهم اثنان يحملان ثلاثة أكياس قمامة بلاستيكية، وكلب كبير فُكّ من مقوده. «كلب خدمة مدرَّب،» قال أحدهما. ثم بحث في جيبه، وأخرج تذكرة حافلة فيما طال الكلب إلى التابلو وأمسك بعلبة كلينكس، وبدأ يمزق المناديل على الأرض. «كلب خدمة مدرَّب؟» سألت سونا. «هل أنت متيقن من ذلك؟» «ألم أقل لك ذلك تواً؟» قال الراكب. «اهتمِّي بشؤونك وقودِي الحافلة اللعينة.» أدارت وجهها نحو الزجاج الأمامي للحافلة، واتجهت إلى «شارع كولفاكس»؛ طريق بأربعة مسارات يمتد مسافة 48 كيلومتراً، مارّاً بمبنى الكابيتول، عبر وسط المدينة، باتجاه جبال الروكي. بعمر الخامسة والأربعين، قادت الحافلة في الطريق ذاته لما يقرب من عشر سنوات، حتى باتت مظهراً ثابتاً من خط الحافلات رقم 15 في «دنفر»، لدرجة أن صورتها أُلصقت إعلاناً على جوانب عدة حافلات؛ وجه ضخمٌ ومبتسمٌ لمدينة لم تعد سونا تعرفها بعد جائحة كوفيد-19. فمدينة «دنفر» التي تختبرها يومياً على الحافلة، تحوّلت بفعل موجة جديدة من الأوبئة التي تجتاح المدن الكبرى في جميع أنحاء البلاد. ارتفعت نسبة التشرّد في دنفر بنسبة تصل إلى 50% منذ بداية الجائحة. الجرائم العنيفة زادت بنسبة 17%، وارتفعت جرائم القتل بنسبة 47%، وتضاعفت تقريباً جرائم السرقات، وحالات ضبط «الفينتانيل» و«الميثامفيتامين» وصلت إلى أربعة أضعاف خلال السنة الماضية. كانت تُوقِف الحافلة كل بضعة شوارع لتحمل المزيد من الركاب أمام الفنادق ذات الإقامة الطويلة والمطاعم ذات التكلفة المنخفضة، محوّلة نظرها بين الطريق الممتد أمامها والمرآة الخلفية التي تُظْهِر الـ 70 مقعداً في الخلف. خلال السنتين الأخيرتين، تعرّض سائقو الحافلات في منطقة دنفر لأكثر من 145 حادثة اعتداء ارتكبها الركاب. بُصِقَ على سونا، وضُرِبَتْ بصندوق الأدوات، وهُدِّدَتْ بسكين، ودُفِعَتْ من الخلف في أثناء قيادة الحافلة، ولُوحٍقَتْ في دورات المياه خلال استراحتها. تحطم الزجاج الأمامي للحافلة بفعل رمي الأحجار أو القناني ثلاث مرات. بعد آخر حادثة، كتبت للمشرف عليها «باتت هذه الوظيفة مثل كرة ضغط آدمية.» كل يوم، تمتص سونا معاناة ركابها وإحباطاتهم على مدار ست رحلات على طول طريق «كولفاكس» ذهاباً وإياباً، لدرجة أنها، بنهاية مناوبة العمل، تستطيع أن ترى بجلاء آثار ضغط أصابعها على مقود الحافلة. الآن، توقفت ليصعد أربعة عمال بناء أمام المطعم الصيني «سنرايز - 1.89 دولاراً للمغرفة الواحدة.» ثم توقفت قرب مدرسة ثانوية لتصعد مراهقة، وكانت لا تزال تدخن عندما صعدت إلى الحافلة. «عفواً. لا يمكنك التدخين هنا،» قالت سونا. «إنها مجرد مَرْهوانة.» «ليس هنا،» قالت سونا. رمت الفتاة السيجارة على الرصيف، وخبطت بقبضتها على مقاعد الصف الأول، لكن سونا تجاهلتها. استمرت في القيادة حتى امتلأت الحافلة بالركاب ثم بدأت تفرغ بعد المرور بوسط المدينة. «المحطة الأخيرة،» أعلنت سونا ذلك فيما كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحاً إلا بضع دقائق. لديها استراحة لست دقائق قبل أن تبدأ رحلة الإياب على طول طريق «كولفاكس»، لكن عندما نظرت في المرآة الخلفية، كان لا يزال هناك سبعة أشخاص نائمين داخل الحافلة. في الآونة الأخيرة، ربع ركابها تقريباً كانوا بلا مأوى. الحافلة كانت وجهتهم، لذلك يبقون في الحافلة إلى أن يجبرهم أحدٌ ما على النزول. "أنا آسفة. يجب على الكل النزول،» قالت سونا ذلك مرة أخرى بصوت أعلى، نزل الجميع ما عدا راكباً واحداً بدا منهاراً على مقعدين في الصف الثاني. نهضت سونا للتحقق من حالته. «سيدي؟» قالت، وهي تلكز كتفه. كان هناك جرح مفتوح على كاحله، وكانت ساقه ترتجف. «سيدي، هل أنت على ما يرام؟» فتح عينيه. سعل، ثم بصق على الأرضية، ونظر حوله في الحافلة الفارغة. «هل وصلنا إلى تولسا؟» سأل. «لا، هذه دنفر. هذا خط الحافلة 15.» تعثر الراكب، وهو يقف على قدميه. «هل ترغب أن أطلب لك سيارة إسعاف؟» سألت سونا، لكنه هزّ برأسه، وبدأ يعرج نحو الباب. «حسناً. أتمنى لك يوماً سعيداً»، قالت سونا. أشار الراكب بإصبعه الوسطى لها، ونزل من الحافلة.
السرد في الصحافة، لا يقتصر على كتابة «الفيتشرات» وحدها، وليس بالضرورة أن يبدأ دائماً بالحدث الأكثر درامية، أو «قلب الأحداث»، أو الأكشن، كما مرّ سابقاً في النصيحة الثانية.
انظر إلى التحقيق الشارح الذي كتبته الصحفية كايتلين ديكرسون لـ «ذا أتلانتيك»، وفازت بجائزة بوليتزر لعام 2023 عن فئة الصحافة الشارحة. فالمواد المطوّلة، ومادة ديكرسون تزيد عن 30 ألف كلمة، غالباً لا تبدأ بمطلع قصير، بل بمقدمة. الهدف منها ليس جذب انتباه القارئ، بل الإمساك بقِيَادِه وتيسير الطريق أمامه لقراءة شيء قد لا يكون ميّالاً إلى قراءته.
هذا لا يعني بأي حال أن القصة الطويلة لا يمكنها أن تبدأ بمطلع قصير. فـ «موبي ديك»، الرواية الأمريكية الأشهر ذات الـ 210 آلاف كلمة، تبدأ بهذا المطلع البالغ القِصَر: «ليكن اسمي اسماعيل.» (أو: اُدْعُوني إسماعيل. أو: نادِني اسماعيل).
ليكن اسمي اسماعيل. كنتُ قبل بضع سنوات -لا يهم عددها على وجه الدقة- بلا نقود في جِزْداني أو بالكاد، ولم يعد على البرِّ شيء يبعث المتعة في نفسي، خطر لي أنني قد أقضي بعض الوقت مبحراً وأرى الجزء المائي من العالم.
تلجأ ديكرسون إلى أداة أتقنها الصحفي جيم دواير، وساعدته على تغطية الأحداث الكبرى؛ مثل هجمات 11 سبتمبر. كان يسميها: «The bigger, the smaller»؛ أي كلما كبر الحدث كان الأفضل للصحفي أن يعمل «زووم إن» ويركز على العالم الأصغر لفهم العالم الأكبر.
يتناول تحقيق ديكرسون سياسة فصل الأطفال المهاجرين غير الشرعيين عن آبائهم عند الحدود الجنوبية في أمريكا، وتبدأ مادتها بـ«زووم إن» على طفل صغير فُصِل عن والده. ومرّة أخرى -كما في قصة «سونا كاراباي» - فإن الحوار، وليس الاقتباسات، هو الذي يقود العجلة، ويدفعها إلى الأمام، ويجعلنا نتساءل: كيف حدث هذا؟ ماذا سيحدث لهذا الطفل؟ هل سيُلَمّ شمل الأب والابن؟ إلخ..
«علينا فصل الأطفال عن الآباء»
بصفتها معالجة للأطفال الذين يخضع أمر متابعة ملفّاتهم لنظام الهجرة الأمريكي، لدى سينثيا كينتانا روتين تتَّبعه كلما قابلت مراجعاً جديداً في مكتبها في «غراند رابيدز»، بميشيغان: تتصل بالوالدين أو بالأقرباء لإبلاغهم أن الطفل بخير، وفي أيادٍ أمينة، وتُعرِّفهم بكيفية الاتصال للاطمئنان على مدار الـ 24 ساعة.
تتخذ هذا الإجراء عادة في الساعات الأولى من وصول الطفل. معظمهم مراهقون حفظوا أو كتبوا أرقام هواتف أقاربهم في دفاتر يحملونها معهم عبر الحدود. بحلول وقت المكالمة الابتدائية، تكون العائلات بغاية القلق، ينتظرون بلهفة معرفة الأخبار بعد أن أرسلوا - في خطوة يأس - أطفالهم إلى بلد آخر وحدهم سعياً للسلامة وأملاً بمستقبل.
ولكن في صيف 2017، واجهت كينتانا حالة غريبة مثيرة للفضول. صبي غواتيمالي بعمر 3 سنوات بابتسامة بارزة وشعر أسود قصير من الجوانب، جلس إلى مكتبها. كان أصغر من أن يستطيع القيام بالرحلة بمفرده. لم تكن معه أرقام هواتف، وعندما سألته أين كانت وجهته أو مَنْ كان برفقته، نظر الصبي إليها بانشِداه. قلَّبت كينتانا ملفه بحثاً معلومات إضافية، لكنها لم تجد شيئاً. طلبت مساعدة ضابط الهجرة والجمارك، الذي عاد بعد عدة أيام مع شيء غير عادي: معلومات تشير إلى أن والد الصبي كان في سجن اتحادي.
في الجلسة التالية، كان الصبي يَتَلَوَّى في كرسيه فيما كانت كينتانا تتصل بمركز الاحتجاز، لتضع والده على خط الاتصال. في البداية كان الأب هادئاً، كما قالت. «أخيراً قلنا له: ابنك هنا. يمكنه سماعك. يمكنك التحدث الآن. كان صوته متهدّجاً، لم يستطع التحدّث.»
بكى الصبي طالباً والده. فجأة، بدأ كلاهما بالصراخ والبكاء بأصوات عالية لدرجة أن زملاء كينتانا هرعوا إلى مكتبها.
أخيراً، هدأ الرجل بما يكفي للتحدث مباشرة مع كينتانا. قال «أنا آسف جداً، من أنت؟ أين يوجد طفلي؟ جاؤوا في منتصف الليل، وأخذوه،» قال. «ماذا سأقول لأمه؟»
The Atlantic
(بوليتزر 2023 - Explanatory Reporting)
تاريخ النشر 7 أغسطس/آب 2022
بصفتها معالجة للأطفال الذين يخضع أمر متابعة ملفّاتهم لنظام الهجرة الأمريكي، لدى سينثيا كينتانا روتيناً تتَّبعه كلما قابلت مراجعاً جديداً في مكتبها في «غراند رابيدز»، بميشيغان: تتصل بالوالدين أو بالأقرباء لإبلاغهم أن الطفل بخير وفي أيادٍ أمينة، وتُعرِّفهم بكيفية الاتصال للاطمئنان على مدار الـ 24 ساعة. تتخذ هذا الإجراء عادة في الساعات الأولى من وصول الطفل. معظمهم مراهقين حفظوا أو كتبوا أرقام هواتف أقاربهم في دفاتر يحملونها معهم عبر الحدود. بحلول وقت المكالمة الابتدائية، تكون العائلات بغاية القلق، ينتظرون بلهفة معرفة الأخبار بعد أن أرسلوا - في خطوة يأس - أطفالهم إلى بلد آخر لوحدهم سعياً للسلامة وأملاً بمستقبل. ولكن في صيف 2017، واجهت كينتانا حالة غريبة مثيرة للفضول. صبي غواتيمالي بعمر 3 سنوات بابتسامة بارزة وشعر أسود قصير من الجوانب، جلس إلى مكتبها. كان أصغر من أن يستطيع القيام بالرحلة بمفرده. لم تكن معه أرقام هواتف، وعندما سألته أين كانت وجهته أو مَنْ كان برفقته، نظر الصبي إليها بانشداه. قلَّبت كينتانا ملفه بحثاً معلومات إضافية لكنها لم تجد شيئاً. طلبت مساعدة ضابط الهجرة والجمارك، الذي عاد بعد عدة أيام مع شيء غير عادي: معلومات تشير إلى أن والد الصبي كان في سجن اتحادي. في الجلسة التالية، كان الصبي يتلَّوى في كرسيه فيما كانت كينتانا تتصل بمركز الاحتجاز، لتضع والده على خط الاتصال. في البداية كان الأب هادئاً، كما قالت. «أخيراً قلنا له: ’ابنك هنا. يمكنه سماعك. يمكنك التحدث الآن.‘ كان صوته متهدّجاً، لم يستطع التحدّث.» بكى الصبي طالباً والده. فجأة، بدأ كلاهما بالصراخ والبكاء بأصوات عالية لدرجة أن زملاء كينتانا هرعوا إلى مكتبها. أخيراً، هدأ الرجل بما يكفي للتحدث مباشرة مع كينتانا. قال «أنا آسف جداً، من أنت؟ أين يتواجد طفلي؟ جاءوا في منتصف الليل وأخذوه،» قال. «ماذا سأقول لأمه؟» The Atlantic (بوليتزر 2023 - Explanatory Reporting) تاريخ النشر 7 أغسطس/آب 2022
يكتب الصحفي لينقل معلومات عن أمر ما إلى القارئ (ويسمى: تقريراً)، أو لينقل القارئ ليعايش ذلك الأمر، ويختبره بنفسه (وتُسمّى: قصة).
لكي يكتب الصحفي القصة، عليه أن ينتبه إلى العالم من حوله: ما الذي يوجد في المشهد، ماذا ينقصه، وما الذي ينبغي أن يكون عليه؟ ما الذي يجري؟ وما معناه؟
عليه أن يهوى المفاجآت، وأن تكمن سعادته في أن يعثر على ما لا يتوقعه.
عندما يبدأ الصحفي البحث في قصة ما، تكون لديه فكرة عما يبحث عنه، وتكون لديه بعض التوقعات. لكنه أيضاً يؤمن بالمفاجآت، ويؤمن بأن الوقائع قد تخون حدسه، وبأن ما قد يقوله الشخص ربما سيسير عكس ما كان يتوقعه، وبأن «غير المتوقع»، له طاقة على الكشف.
لدى استكشاف العالم لكتابة قصة، يبحث الصحفي عمّا هو غير موجود بقدر بحثه عمّا هو موجود، عليه أن يسمع ما لا يقال بقدر سماعه ما يقال.
تتطلب القصة أن يستخدم الصحفي كل حاسة من حواسه، لا بل أن يطوّر حواسّ لم تكن لديه. ويأتي كل ذلك من خلال الممارسة، وهو ليس ضرباً من السحر.
حواسّ الصحفي العشرة
ويتحدث عنها الصحفي والكاتب والمعلم دونالد موري في كتابه: Writing to Deadline.
ابدأ باستخدام كل حاسة على انفراد، وابدأ بالأقوى لديك.
الشم
إحدى الحواس التي نعتمد عليها أحياناً أكثر من غيرها، مع ذلك نادراً ما نتحدث عنها، أو نذكرها في الكتابة الصحفية. هذه الحاسّة يمكنها أن تكون ذات انطباع قوي لدى استخدامها مثلاً لالتقاط رائحة الخبز الطازج قبل أن نجد المخبز، أو رائحة ذاك المشرّد الذي يحلم يومياً بترف الاستحمام ، أو حتى رائحة الخوف.
البصر
هل تنظر بطرف عينيك لتستوعب ما يجري حولك وما لا يجري؟ وكيف يجري ذلك؟ الفعل والاستجابة؟ الإيماءات والتعبيرات؟ كيف يتحدث الناس؟ ما الذي يجري علناً وما الذي يكشفه؟ ما الذي يجري خفاء وما الذي يكشفه؟
السمع
نحن البشر مستمعون سيئون. نسمع ما نتوقع سماعه. الصحفي الجيد يدرب نفسه على الاستماع. تسجيل الملاحظات في أثناء الحديث قد يساعدك على الاستماع الجيد؛ وهذا يساعد على طرح أسئلة جيدة.
وبدلاً من أن تضع المتحدِّث معك في أجواء استجواب غير مريحة، دردش معه ودِّياً. لفعل ذلك، عليك أن تبدو مسترخياً، وأن تستمع، وتومئ برأسك، وتستجيب بلغة جسدك لما يقوله.
يتطلب الإصغاء قدراً كبيراً من الطاقة للانتباه والاستماع الجيدين. عليك أن تستمع لما يقال وكيف يقال. قد تحمل نغمة الصوت، الوقفات، التعبيرات، والإيماءات، معنى مختلفاً عن المعنى الذي تحمله الكلمات وحدها. استمع إلى سياق ما يقال وما لا يُقال أيضاً. استمع إلى الأصوات الأخرى التي قد تكشف عن المكان المحيط .
التذوق
إذا تمكنت من جعل القارئ يرى ويشم، فإن التذوق أيضاً سيجعل القارئ يفهم القصة ويختبر التجربة بشكل أعمق؛ والعوالم التي تتحدث عنها ستنبض بالحياة.
انظر ما كتبته الصحفية الفلسطينية ريم قسيس لـ «نيويورك تايمز»، عن «النَّفَس في الأكل» عند العرب، ورغم أنها لا تتحدث عن التذوق مباشرة، فإنّ اللعاب يكاد يسيل بسبب وصفها لإعداد الطبق:
كلمة «النَّفَس» تنطوي على تلك الحميمية التي تمتد إلى ما وراء السمات المادية المحسوسة في الطبق. فهي تتعلق بالشخص الذي يعد الطبخ بقدر ما تتعلق بما «ينفخه من روح» في الطعام. إنها الوقت والجهد المبذولان في اختيار المكونات وإعدادها؛ تلك الرقصة الصبورة مع التوابل ذهاباً وإياباً إلى أن تصل كل نكهة إلى حد الكمال؛ ذاك السخاء في مدّ السُّفْرة والحفاوة بالضيوف؛ وقبل كل شيء، إنه عشق للطبخ وشهوة إطعام الآخرين.
التغيير
يجب أن تكون على دراية بالتغييرات. الحق، أن معظم القصص الصحفية هي أولاً وأخيراً سِجِلٌّ للتغييرات؛ فال صحافة تدوين للتاريخ في لحظة وقوعه. انظر إلى مجتمعاتنا، ستجد أن العلاقات الاجتماعية تغيرت، النظرة إلى العالم تغيرت، حتى المناخ تغير. فأينما نظرت، ستجد ذاكرة الماضي وظلال المستقبل. مهمة الصحفي هي أن يلتقط إشارات التغيير القادم، تلك التلميحات لما سيكون عليه ما هو موجود الآن.
اللمس
حاسة، نادراً ما يستخدمها الصحفي. بوصفي قارئاً، أود معرفة كيف يكون الإحساس في الملعب ذي العشب الطبيعي مقارنة بالاصطناعي. أود من الصحفي الرياضي أن يمسك بيدي وقدمي، ويضعهما على أرضية الملعب أو المدرجات. أود أن أعرف ما يحسّ به الجراح وهو يبضع بطن مريضه، أين يرتكز توازن المِشرط: يده؟ معصمه؟ ربما كتفه؟ لعلّه ظهره؟ أود معرفة ثقل ذاك المسدس الذي أردى قتيلاً يوم أمس، وأريد أن أعرف كيف يستطيع الشرطي الركض بكامل معداته على جسده؛ كيف يحس بكل ذلك؟ أود بوصفي قارئاً أن أمرّر يدي تماماً على المكان ذاته، التراب ذاته، الذي مرّغت فيه يديها تلك الأم التي دفنت ابنها للتو. وأود أن أشعر بالأوتار، وهي تحتك بأصابع عازف البزق أو العود. أريد، أريد، أريد.
السياق
يفشل الصحفي أيضاً عندما لا يضع التفاصيل المحددة في سياقاتها. فالأحداث لا تقع بمعزل عن بعضها؛ لكل حدث أسبابه وتداعياته. الصحفيون هم مؤرِّخو اللحظة. ينبغي أن يضعوا حدثَ اليوم في سياق الماضي والمستقبل. تكتسب التفاصيل حقيقتها وأهميتها عندما توضع في سياقها الصحيح.
التأثير
أحد الإخفاقات التي قد تعترض الصحفي، الفشلُ في الإحساس بتأثير الأخبار في حياة الناس. فتغيير بسيط في خط الحافلات، بسبب التصليحات، قد يؤثر في حياة مئات المسنين. وانقطاع الكهرباء عنهم في الصيف الحار، قد يودي بحياتهم. ربما تغيير بسيط في أسعار السلع، قد يدفع الأسر إلى الاقتصاد في وجباتها.
الصراع
نحن نعيش في عالم حيث القوى فيه دائماً على مسارات التصادم. من مهام الصحفي تغطية التصادمات قبل وقوعها، وعند حدوثها، وبعد انتهائها. يحتاج الصحفي إلى تطوير حس الصراع؛ عندما تفضي مصالح مجموعة ما، إلى تصادم مع مصالح مجموعة أخرى.
الذات
يتعلم الصحفيون أن يكونوا موضوعيين، وهذا أمر جيد؛ لأنه يمنعهم من اختلاق الحقائق. إنهم يحتاجون إلى نقل المعلومات بدقة، وتوثيق ما يقولونه بالأدلة، ولكن كثيراً منهم ينأون بأنفسهم عن تجاربهم، ويتنكرون لردود فعلهم على الأشخاص والأحداث التي يغطّونها، رغم أنهم قد يكونون جزءاً من الحدث.
استفد من تجربتك بوصفك واحداً من الجمهور المتأثر بالحدث، لأن ذلك سيساعد القارئ على فهم مادتك على نحو أفضل.
إضافة إلى تمرين حواسك، تحتاج إلى تعلُّم:
أسئلة القارئ الخمسة
سواء أكنت تكتب قصة سريعة لنشرها اليوم، أو قصة طويلة تستغرق أربعة أسابيع، أو كتاباً قد يأخذ سنتين أو أكثر، ستجد دائماً أن هنالك خمسة أسئلة رئيسية يهتم بها القارئ. قد تزيد هذه الأسئلة قليلاً، وقد تنقص، وهي غالباً ليست الأسئلة التي تطرحها بذهنك، وتظن أنها مهمة لقصتك. الأسئلة الخمسة هي التي سيسأل عنها القارئ لو كان في مكانك. إذا لم تُجب عنها، سيشعر بالإحباط.
في أغلب الأحيان، الأسئلة الخمسة واضحة رغم أنها تختلف من قصة إلى قصة. أسهل طريقة لمعرفتها هي أن تضع نفسك مكان القارئ. وثمة كتاب عن الأسلوب؛ أحد أهم الكتب، بعنوان: The Reader Over Your Shoulder من تأليف الشاعر والروائي روبرت غريفس ومساعده آلان هوج؛ أي كيف تكتب، وأنت تنظر بطرف عينك من فوق كتفك إلى القارئ المفترض الذي يقف بجانبك، يتحدث معك وتتحدث معه كما في أي جلسة واقعية.
مع الوقت والممارسة، لن تستغرق معرفة هذه الأسئلة الخمسة أكثر من دقائق معدودة. واحرص أن تطرحها على المصادر جميعها في قصتك. فالاختلاف في الإجابات قد يكون هو القصة، أو قد يقودك إلى القصة.
مثلاً، في قصة عن مشروع لتوسيع حديقة عامة في المدينة، يمكن أن تكون الأسئلة الخمسة كما يلي:
-
ما التكلفة؟
-
هل ستُقتطع من ميزانية بلدية المدينة؟
-
هل ستأتي على حساب خدمات أخرى يحتاجها الأهالي أكثر؟
-
لماذا التوسعة؟
-
هل يمكن الاستغناء عنها بمشروع أفضل؟
الأسئلة الخمسة فعّالة أيضاً لدى تناول قصة معقدة. حاول أن ترتب الإجابات على الأسئلة بالتسلسل الذي سيسأل به القارئ المفترض الذي يقف بجانبك.
هذا لا يعني بأي حال، أن يحصر الصحفي بحثه ضمن الأسئلة الخمسة، ويغلق بابه أمام المفاجأة، كما ذكرنا آنفاً.
وطرح الأسئلة، يتطلّب تعلُّم:
المقابلات
لن تصادف «المفاجآت» إلا إذا كان لديك أصلاً «توقعات». ولبناء التوقعات تحتاج إلى بعض التحضير. حضّر قائمة بالأسئلة التي تودّ طرحها على مصدرك أو الشخص الذي تجري معه المقابلة. هذا سيضمن أنك لن تنسى شيئاً، وسيمنحك الثقة في أثناء الحديث في المقابلة.
لا ينبغي أن تنخرط في المقابلة فوراً، وتقرأ الأسئلة مباشرة من الورقة بين يديك. ابدأ أولاً بكسر الجليد مع محدِّثك، اشرح ما تنوي فعله، وما إذا كان لديه أسئلة لك. دعه يسترسل، ويبدأ الحديث من النقطة التي تريحه، ثم دع فضولك يقدك. عد إلى قائمتك لتتأكد من أنك سألت الأسئلة كلها التي أردت طرحها، وأشرع أبوابك لما هو غير متوقع.
وإليك 30 سؤالاً عاماً قد تبدو بسيطة وسطحية، لكنها تساعد للتعرف إلى الشخصية، وقد تستفيد منها. تحتفظ الصحفية لين ديغريغوري بهذه القائمة دائماً في حقيبتها:
-
لكل إنسان قصة، فما هي قصة حياتك؟
-
ما أقدم ذكرى لا تزال تحفظها في ذاكرتك؟
-
كيف تصف عائلتك؟ بيتك؟ ما ترتيبك بين أفراد أسرتك، وأين تضع نفسك ضمن ديناميكية العلاقات داخل أسرتك (كيف ينظر إليك أفراد أسرتك)؟ (إن كان لديك حيوان أليف:) ما اسمه؟ صِفْهُ؟ كيف تتعامل معه؟
-
طقوس العائلة، عاداتها وتقاليدها: أيها تحب وأيها تكره؟
-
في الصغر (أو الصبا) ماذا كنت تود أن تصبح عندما تكبر (أو ما كان حلمك)؟ هل كنت دائماً ترى نفسك متزوجاً أم أعزب؟ هل كنت تتخيل أن يكون لديك أطفال أم لا؟
-
كيف كانت شخصيتك في الطفولة؟ هل كان أقرانك يتوددون إليك؟ كيف كانت علاقاتك في المدرسة؟ ما أبرز الأنشطة التي كنت تمارسها؟
-
مَنْ هو (هم) مثلك الأعلى (أبطالك)؟ ولماذا؟ ومن هم الآن؟
-
كيف كانت أول تجربة لك مع الموت (قد يكون موت شخص عزيز، أو أحد أفراد الأسرة، أو هو نفسه مرّ بالتجربة في حادث أو مرض)؟
-
كيف التقيت بزوجتك / بزوجك؟ أو كيف بدأت علاقتك مع أفضل صديق لك؟
-
ما أصعب قرار اتخذته في حياتك؟ كيف كان ذلك؟
-
بماذا تحلم الآن؟
-
مَنْ هو الشخص الذي تظن بأنه يعرفك حقّاً؟ بمن تثق؟
-
هل أنت من المؤمنين بالخالق؟ هل تذهب إلى المسجد / الكنيسة؟ ما أكثر دعاء تردده في صلاتك؟
-
هل تنشط في المجال السياسي؟ إلى أي حد؟ ولماذا؟
-
-
بماذا تحتفظ دائماً في محفظتك.. أو حقيبتك.. أو سيارتك.. أو الثلاجة؟
-
ما أكثر شيء يسبب لك القلق على المستوى الشخصي؟ وعلى مستوى العائلة؟ وعلى مستوى مدينتك أو بلدك أو العالم؟
-
ما أكثر شيء تتمناه في الحياة؟
-
ما الذي تريد أن تفهمه بشكل أفضل؟ ما الأسئلة التي لا تزال تطرحها على نفسك وتبحث عن إجابات لها؟
-
ما الشيئ الذي لا تزال تندم عليه؟ ولماذا؟
-
إذا كان لديك خيار أن تبدأ الحياة من جديد، كيف تتخيل أن تكون هذه الحياة الجديدة؟ هل ترغب في تغيير حياتك الحالية؟
-
إذا كنت ستختار كلمة واحدة فقط لتصف شخصيتك، فما هي؟
-
هل يسيء الناس فهمك؟ بماذا يسيئون فهمك؟ أو ما الذي يفترضونه عنك؟
-
ما الشيء الذي لا يعرفه الناس عنك؟
-
ما أكثر شيء يزعجك في نفسك؟ وفي الآخرين؟
-
هل ترغب في أن يصبح أطفالك مثلك عندما يكبرون؟ لماذا؟ أو لم لا؟
-
ما الأمر الذي يشعرك بالفخر تجاه نفسك؟
-
باعتقادك، ماذا يحدث لنا بعد الموت؟
-
لماذا أنت هنا، على هذه الأرض، في هذا الوقت؟
-
مَنْ سيتأثر أكثر برحيلك؟
-
كلنا سنرحل يوماً عن هذه الحياة، ما الذي تتأمل أن يُذكر عنك بعد رحيلك؟
-
والمقابلات، تتطلّب تعلّم:
تدوين الملاحظات
كتابة قصة محورها السرد تختلف عن كتابة تقرير محوره نقل معلومات. في القصة -إضافة إلى المعلومات وخلفياتها وسياقاتها- تحتاج إلى مَشَاهِد، مكان الأحداث وزمانها، تحتاج إلى تفاصيل محددة، ورؤية الصورة الأكبر.
وفيما يلي تشرح ديغريغوري كيف تدوّن ملاحظاتها. ديغريغوري هذه، تُعد جيمي بريسلين وقتنا الحالي، يمكنها أن تكتب عن أي شيء، وستأسرك بقصصها.
لتدوين ملاحظاتك، خصِّص لكل مشهد صفحة.
في الزاوية اليمنى العليا، سجِّل التاريخ والوقت.
في الهامش العلوي، أكتب ما تستشعره بحواسك: البصر، الشم، المذاق، اللمس..
في الهامش الأيمن، ضع سهماً عندما يخبرك شخصٌ ما بشيءٍ، وترغب بالعودة وطرح أسئلة التي تتعلق بذاك الشيء.
بهذه الطريقة لن تقاطع تسلسل حديثهم وأفكارهم. ففي نهاية اللقاء يمكنك العودة إلى تلك الأسهم لتسأله عنها.
أسفل الصفحة رقّم المشهد كي يسهل العودة إليه.
وسط الصفحة هو للملاحظات الأساسية؛ قسِّمه إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول لما يقوله الشخص: لا تكتب ما يقوله حرفاً بحرف، بل أعد صياغته باختصار ودوّن رؤوس الأقلام فقط.
القسم الثاني للاقتباسات: عندما تسمع جملة أو عبارة حسنة، اكتبها كما هي بكامل حُسْنها. وضع حولها علامات الاقتباس.
القسم الثالث لملاحظاتك وتعليقاتك الشخصية. الأفضل أن تضعها بين أقواس كبيرة كي لا تختلط بما يقوله الشخص.

تحرير الجملة
في هذا القسم، نلقي نظرة فاحصة على النحو واللغة والأسلوب.
وأنت تكتب نصَّكَ، سواء أكان تقريراً أم قصةً، اعرفْ:
-
ما تقوله كل جملة
-
وما لا تقوله
-
وما الذي تلمّح إليه ضمناً
الأصعب بين النقاط الثلاث هذه، معرفة ما تقوله كل جملة فعلياً، وليس ما يتخيله عقلك أنها تقوله.
لماذا التركيز على الجُمَلِ، وليس التقرير أو القصة ككل؟ لأن عملك بصفتك كاتباً هو بناء الجمل؛ معظم وقتك ستقضيه في إنشاء الجمل في عقلك. هذه هي حياة الكاتب.
اجعل جملك قصيرة. قصيرة بما يكفي لخلق التنوع في أطوالها. واترك مساحة بينها، لتفسح المجال لما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه. فالقارئ يعرف ما لا تستطيع الكلمات قوله.
وأقصد بالمساحة، ذاك الفراغ الأبيض (الرمادي في حالتي هذه) بين فقرة وأخرى
يستفيض الكاتب والصحفي فيرلين كلينكنبورج حول ذلك في كتابه الأخّاذ: Several Short Sentences About Writing.
انظر كيف تقوم كل جملة بدورها، وتغادر في هذا التقرير من «واشنطن بوست»، الذي أرَّخ للحظة لم تشهد أمريكا مثيلاً لها في تاريخها الحديث. التقرير فاز بجائزة بوليتزر لعام 2022.
بينما كان الرئيس ترامب يقول للحشد الهائم أمام البيت الأبيض ألاّ يقبل الهزيمة أبداً، اقتحم أنصاره بالمئات مبنى الكونغرس الأمريكي في خطوة ترقى إلى محاولة انقلابٍ أَمَلاً في إِبطال نتائج الانتخابات التي خسر فيها. في معمعة الفوضى، أُصيبت امرأةً بطلق ناري، بحسب المسؤولين، وقُتلت على يد شرطة حماية الكونغرس.
مشهد العنف هذا الذي أثاره إلى حد كبير لهجة الرئيس التحريضية، كان غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث، ما أوقف فجأة عملية إقرار الكونغرس فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية.
بِسَارياتٍ تحمل أعلام ترامب الزرقاء، اقتحم الحشد الهائج الذي تزايدت أعداده مع الوقت ليصل إلى الآلاف، أبوابَ مبنى الكونغرس ونوافذه، وشقّوا طريقهم بالقوة، متجاوزين رجال الشرطة الذين كانوا غير مستعدين لهكذا هجوم. النواب كانوا قد أُخْرِجوا من المكان قبل وقت قليل من مواجهة مسلحة جرت عند مدخل قاعة مجلس النواب. المرأة المصابة نُقلت بسرعة إلى سيارة إسعاف، بحسب الشرطة، وتوفيت في وقت لاحق. أُطلقت قذائف الغاز المسيل للدموع على الأرضية الرخامية البيضاء للقاعة الكبيرة المستديرة، وعلى درجات المبنى، رفع مثيرو الشغب أعلام الكونفدرالية.
«يو إس إيه! يو إس إيه!» أنشد الحشد الذي أراد تخريب ديمقراطيةٍ عمرها 244 عاماً
Washington post
(بوليتزر 2022 - Public Service)
تاريخ النشر 7 يناير/كانون الثاني 2021
بينما كان الرئيس ترامب يقول للحشد الهائم أمام البيت الأبيض ألاّ يقبل الهزيمة أبداً، اقتحم أنصاره بالمئات مبنى الكونغرس الأمريكي في خطوة ترقى إلى محاولة انقلابٍ أَمَلاً في إِبطال نتائج الانتخابات التي خسر فيها. في معمعة الفوضى، أُصيبت امرأةً بطلق ناري، بحسب المسؤولين، وقُتلت على يد شرطة حماية الكونغرس.
الجملة الأولى تُعد طويلة بالنسبة إلى مطلع تقرير: 34 كلمة. تتبعها جملة قصيرة بـ 15 كلمة. هذا النمط والإيقاع في الجمل: طويل / قصير، يجده الكثير من الكُتّاب أداة فعالة لإضفاء الحيوية على النص.
تكاد لا تلاحظ التسلسل الزمني للأحداث: ترامب يقول شيئاً، أنصاره يفعلون شيئاً، مقتل شخص ما.
هذا التسلسل مهم في كتابة التقارير الإخبارية. لكن انظر إلى كيفية بناء الفقرة كاملة: يبدأ بشبه جملة (بينما كان الرئيس..) وهذا غير معهود في كتابة الأخبار عالمياً رغم انتشاره عربياً. بهذه التركيبة يجعل «لهجة ترامب التحريضية» أقل أهمية من الفوضى والعنف اللذين أفضت إليهما. وتجد أن الخبر المهم (الهجوم) جاء في الجملة الرئيسية (اقتحم أنصاره..). مقتل المرأة -رغم أهميته- لم يأتِ في الجملة الرئيسية، لكن الكاتب استطاع أن يضعها في موقع بارز: في نهاية الفقرة.
انتبه أيضاً كيف يستخدم الكاتب كلمات: اقتحم، محاولة انقلاب، إبطال نتائج الانتخابات. ويظهر انحيازه للمؤسسات التي بناها الشعب الأمريكي بالعرق والدم ضد أولئك الذين يريدون تخريبها الآن.
مشهد العنف هذا الذي أثاره حد كبير لهجة الرئيس التحريضية، كان غير مسبوق في التاريخ الأمريكي الحديث، ما أوقف فجأة عملية إقرار الكونغرس فوز جو بايدن في الانتخابات الرئاسية.
ثمة الكثير يجري في الفقرة الثانية التي هي أيضاً جملة واحدة طويلة 30 كلمة، وبها جميع عناصر الخبر: 1. مشهد عنف في الكونغرس، 2. أَثارَه الرئيس، 3. حدث غير مسبوق، 4. خلفيات: وقف إقرار فوز بايدن.
بِسَارياتٍ تحمل أعلام ترامب الزرقاء، اقتحم الحشد الهائج الذي تزايدت أعداده مع الوقت ليصل إلى الآلاف، أبوابَ مبنى الكونغرس ونوافذه، وشقّوا طريقهم بالقوة، متجاوزين رجال الشرطة الذين كانوا غير مستعدين لهكذا هجوم. النواب كانوا قد أُخْرِجوا من المكان قبل وقت قليل من مواجهة مسلحة جرت عند مدخل قاعة مجلس النواب. المرأة المصابة نُقلت بسرعة إلى سيارة إسعاف، بحسب الشرطة، وتوفيت في وقت لاحق. أُطلقت قذائف الغاز المسيل للدموع على الأرضية الرخامية البيضاء للقاعة الكبيرة المستديرة، وعلى درجات المبنى، رفع مثيرو الشغب أعلام الكونفدرالية.
الفقرة الثالثة تتكون من أربعة جمل مليئة بالأحداث. ومن وجهة نظر تقنية، تشكل هذه الجمل نوعاً من سرد يحلِّق بالقارئ فوق المكان ويجعله يرى بعين عقله ما كان يجري هناك.
ورغم النصيحة الدائمة باعتماد صيغة المبني للمعلوم والابتعاد عن المبني للمجهول التي لا تبدو مريحة في اللغة العربية ـ فإن الأفعال: أُخْرِجوا، نُقلت، أطلقت، تضفي حيوية على النص لا تقل أهمية عن الأفعال المبنية للمعلوم: اقتحم، شقوا طريقهم، رفع.
«يو إس إيه! يو إس إيه!» أنشد الحشد الذي أراد تخريب ديمقراطيةٍ عمرها 244 عاماً.
لعل هذ الجملة الأخيرة هي الأقوى، ربما بسبب إيجازها. إنها جملة سردية بنوع من المقابلة تنشأ عند تجاور شيئين لا يتناسبان مع بعضهما «تخريب ديمقراطيةٍ». وعبارة «يو إس إيه!» (الولايات المتحدة الأمريكية) لديها تأثير الحوار. فهي ليست اقتباساً مباشراً، بل عبارة منطوقة يسمعها القارئ، لتنقله إلى المكان والزمان المعنيين.
مخطط تحرير الجملة
كثيراً ما نجد قصصاً حبكاتها جيدة، وشخصياتها قوية، وقادرة على إثارة المشاعر، لكن صياغة الجمل غير متقنة؛ تدفن الأكشن والصور الحية بين ركام الحشو، والإسهاب، والجمل الفضفاضة التي توقف عجلة دوران القصة.
يقوم تحرير الجملة على التحقق من بناء الجملة لغوياً، ومن حيث الأسلوب.
تغطي الأسئلة في مخطط «تحرير الجملة» خمسة مجالات:
-
بنية الجملة الديناميكية
-
الكلمات القوية: الأسماء والأفعال
-
اللغة
-
النبرة، الأسلوب، الصوت
-
الحوار الجيد.



-
هل جملك متنوعة؟ حيوية؟ واضحة؟ تختلف في الطول؟ بها إيقاع؟ موسيقى؟
-
هل تتضمن تفاصيل ملموسة؟ تفاصيل متغايرة Contrast؟ وثيقة الصلة بموضوع قصتك؟
-
هل تصف جملك الشخصية؟ المكان أو المحيط الذي تدور فيه القصة؟ العواطف؟ تحرك الأكشن؟ تقود القصة؟
-
هل تجعل القارئ يرى بعين عقله؟
-
تحقق من الأخطاء الإملائية والنحوية وعلامات الترقيم.
-
-
هل أفعالك مبنية للمعلوم وليست مبنية للمجهول إلا عند الضرورة؟ هل تعبر عن الأكشن؟ عن الحركة؟ الشدّ والتوتر؟
-
هل الأسماء حيوية وملونة ومحددة؟ هل تصف الشخصية؟ مكان القصة أو محيطها؟ تخلق صوراً في ذهن القارئ؟
-
استبدل الأفعال الضعيفة والعبارات الحالية والظرفية بأفعال أكشن قوية.
-
استبدل الأسماء المجردة والغامضة بأسماء وصفية ملموسة.
دع الأسماء والأفعال تفعل فعلها.
-
-
هل اللغة محددة؟ زاهية؟ بصرية؟ سهلة القراءة؟ تروق للحواس؟ العواطف؟
-
هل اختيار الكلمات واختيار التفاصيل يساعدان القارئ على تخيل مكان القصة ومحيطها؟ على فهم الشخصية؟ على التعاطف مع الشخصية الرئيسية؟ على تخيل الأكشن ومشاهدته بعين العقل؟
-
هل تضيف الألفاظ المقيّدة الحيوية على نصك؟ هل يتم استخدامها باعتدال؟
-
هل الانتقالات سلسة؟ واضحة؟ تدفع القارئ إلى الأمام؟
-
هل العبارات الملطّفة: الرطانة والإطناب، المترادفات، الكليشيهات، تشوش النثر؟
-
تخلّص من الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، والكتابة المذيلة بالحواشي.
كن واضحاً، كن آسراً، كن ملموساً
-
-
هل اختيار الكلمات والتفاصيل المساعدة/الداعمة يضفي قِواماً Texture وجوّاِ مميزاً للقصة؟
-
هل النبرة متسقة (ساخرة، فكاهية، رسمية، غير رسمية، إلخ)؟ هل هي مناسبة للقارئ المقصود؟
-
هل «صوت السرد» Narrative Voice لديه قوة إقناع؟ هل يتدفق بسهولة؟ هل يأسر خيال القارئ؟
-
هل هناك انتقالات غير مناسبة في النبرة أو الأسلوب أو الصوت؟
-
تحقق من عدم وجود أخطاء في الأسلوب مثل الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، أو المذيلة بالحواشي.
-
-
هل يكشف الحوار عن الشخصية؟ ينقل معلومات؟ يمهد لما سيأتي تالياً؟
-
هل ينطوي على معنى ضمني أو مجازي؟ إشارات فطنة؟ ظلال معاني؟ بمعنى آخر، هل يخدم الحوار أكثر من هدف؟
-
هل الحوار دقيق أكثر من اللازم؟ فالشخصيات المثيرة للاهتمام، كحال الناس جميعاً، تكذب وتتهرب وتسيء الفهم وذكرياتها انتقائية وتختبئ وراء الكلمات، وتقول شيئا وتعني شيئا آخر.
-
هل تتحدث الشخصيات بواقعية، تقاطع بعضها بعضاً، وتتحدث لغايات متقاطعة، وتكرر الكلمات المفتاحية، وتقول أنصاف الجمل، إلخ؟ هل يبدو الحوار طبيعياً؟ وتحادثياً؟
-
هل لدى الشخصيات انتقالات غير مناسبة في طريقة الحديث؟
-
هل يمكن إحكام الحوار؟ جعله أكثر فعالية؟ أكثر إثارة للاهتمام؟
-
هل من الممتع قراءته؟
-
بنية الجملة الديناميكية
-
هل جملك متنوعة؟ حيوية؟ واضحة؟ تختلف في الطول؟ بها إيقاع؟ موسيقى؟
-
هل تتضمن تفاصيل ملموسة؟ تفاصيل متغايرة Contrast؟ وثيقة الصلة بموضوع قصتك؟
-
هل تصف جملك الشخصية؟ المكان أو المحيط الذي تدور فيه القصة؟ العواطف؟ تحرك الأكشن؟ تقود القصة؟
-
هل تجعل القارئ يرى بعين عقله؟
-
تحقق من الأخطاء الإملائية والنحوية وعلامات الترقيم.
هل جملك متنوعة من حيث الطول؟ بها إيقاع؟ موسيقى؟
الجمل القصيرة تخلق الشدّ والتوتر:
-
فُتِح الباب.
-
نار!
-
موت في ثوب أحمر.
الجمل الأطول ترسم الحالة النفسية، تخلق الصور، وتضبط الإيقاع:
داخل السيارة، كانت جو روجرز وبناتها في طريقهن للنجاة بأنفسهن. غادروا المزرعة تاركين خلفهنّ نوّاب الشريف والمستشارين والمحامين، بحثاً عن مكان دافئ وآمن؛ مكان يمكنهم الاختباء والنسيان والعثور مجدداً على ذواتهن المفقودة.
هل تكشف الجُمل التفاصيل؟ أن تصف مثلاً مكتبة «الشخصية الرئيسية» في قصتك بأنها تعوم بالفوضى، سيكون وصفاً مجرداً وغامضاً. بدلاً من ذلك، استخدم تفاصيل محددة: أوراق مكوّرة مبعثرة هنا وهناك، منفضة تطفح بأعقاب السجائر، ومسدس على المكتبة، فهذه الأشياء تكشف عن الشخصية، وتشد اهتمام القارئ.
توم وولف، الصحفي الأمريكي، صاحب البذلة البيضاء صيف شتاء، كان أحد أكثر من أتقنوا كتابة الجملة الطويلة، بخاصة في مقالته المعنونة بـ A Sunday Kind of Love:

الحب! عطر الشهوة معلقاً في الهواء! الساعة 8:45 من صباح الخميس في محطة مترو IRT، عند تقاطع شـارعي الخمسين وبرودواي، وثمة صبي وصبية يتعانقان، وقد تشـابكت أيديهما وأرجلهما كنسيج «هارينغبورن» الصوفي، مما يثبت، بدون شك، أن الحـب فـي نيويورك لا يقتصر على يوم الأحد فقط.
على عكس التوقعات كلها! تنبثق الوجـوه فـي كتل خارجـة مـن محطة قطار الجادة السابعة، مـروراً بماكينة الآيس كريم ذات الحجم الكبير، والبوابات الدوّارة تصفق بعنـف، كمـا لـو كان العالم يتكسـر كالأمواج فوق الشعاب المرجانية. أربع خطوات بعد البوابات الدوّارة، يتدافع الجميع متلاصقين لتسلق السلالم إلى الشارع، كقِمْعٍ كبير من اللحم والصوف واللباد والجلد والمطاط والألومكرون الحراري، فيمـا يُعتصر الدم بصعوبة عبر الشـرايين المتصلبة لدى الجميع في دفقات متوثبة، بسبب الإفراط في شرب القهـوة والجهـد المبذول للخروج من محطة المترو سـاعة الذروة. مع ذلك، هناك على الرصيف، صبي وصبية في الثامنة عشـرة تقريباً، كانا مندمجين في عناق أبدي مُجْهِد كـ«عشق ممنوع».
حولهمـا عشـرة، عشـرات، بل يبـدو كأن مئات الوجوه والأجساد المتعرقة المتزاحمة المندفعة عبر السلالم، التي تعلوها تكشيرة المصاب بتصلب الشرايين، مـروراً بواجهة زجاجيـة تعـرض فيهـا صرعات السلع، مثل «جوي بازر» و«سكويرتنغ نيكلز» و«فينجر راتس» و«سكيري تارانتـولاس» وملاعـق لُصِقَ عليها ذبـاب يبدو حقيقياً، مروراً بصـالـون حلاقة «فِرِدْ»، الذي يقع بمحاذاة الرصيف، ويعرض صوراً براقة لشبان بقصات شعر باروكية يمكن للمرء الحصول عليها هناك، فصعوداً نحو شـارع الخمسين، ومنه إلى جنون زحمـة السير والمتاجـر التـي تـعـرض فـي الواجهـات قطع لانجري غريبة الشكل، ومستحضرات صبغ الشعر الأبيض، ولافتات عن قراءة الطالع مجاناً، وأخرى عن مباراة فـي لـعـب البليـاردو بـيـن فتيات البلاي بـوي وعارضات داوني، ثم يطرق الجميع نحو مبان «تايم - لايف» أو «بريل» أو «إن بي سي».
علامات الترقيم وديناميكية الجملة
فهي ترسم بداية الجملة ونهايتها وتضبط إيقاعها وموسيقاها ومساحتها، وكثيراً ما يُساء فهمها واستخدامها.
أول من صك تعبير «الترقيم» في العربية، واستحدث علاماته التي نعرفها اليوم، ووضع لها القواعد مستلهماً اللغات الأجنبية كان أحمد زكي باشا في كتابه الترقيم وعلاماته في اللغة العربية عام 1911. هذا يعني ضمناً أن هذه العلامات والقواعد «اعتباطية»، يستند استعمالها إلى التوافق والعُرف والثقافة.
علامات الترقيم هي بالأساس ترميز للوقفات والسكتات التي يجريها المتحدث شفاهاً لتسهيل الفهم والإدراك، وإضفاء الوقع الدرامي على الحديث، ومن ثم هي محاولة لإظهار صوت الكاتب في النص المكتوب؛ متى يسحب نَفَسَه، متى يحبسه، ومتى يتوقف ليخرج الهواء من رئتيه.
ورغم أنها إجبارية، فإن بعض هذه العلامات اختيارية تترك للكاتب مساحة، كما يقول Roy Peter Clark في كتابه Writing Tools. ولعل الفاصلة هي واحدة من علامات الترقيم الأكثر تنوعاً في الاستعمال والأقرب لتجسيد صوت الكاتب وصورته أمام القارئ، ومع ذلك فهي الأقل اهتماماً بها من قبل الصحفيين.
وعلامات الترقيم إرشادات للطريق، ولمساعدة القارئ على سلك هذا الطريق نستخدم هذه العلامات لـ:
-
ضبط إيقاع النص وسرعة القراءة.
-
تقسيم الكلمات والعبارات والأفكار إلى مجموعات متناغمة.
ستتعلم وضع علامات الترقيم بقوة لتصل للغاية التي تريدها عندما تبدأ بأخذ إيقاع أو سرعة pace الجملة ومساحتها space بعين الاعتبار. فقد ترغب مثلاً في تخفيف سرعة الإيقاع لأسباب استراتيجية: لتحقيق الوضوح، أو إيصال المشاعر أو خلق الإثارة.
ولا يهم طول الجملة أو قصرها، مكتوبة أو مسموعة، ما دامت تستطيع ضبط إيقاعها وسرعتها وفقاً لغرضها.
انظر كيف يستخدم توماس فرينش علامات الترقيم لخلق التنويع، والديناميكية بين الجمل، حيث تتضافر معاً لبناء نص ممتع قراءته:
ملائكة وشياطين
مرّ عام على جرائم القتل، ثم آخر، والآن قطع المحققون رَدْحاً من العام الثالث. عملوا ليلاً ونهاراً، عملوا في العطلات الأسبوعية، ألغوا الإجازات، نحفوا، سمنوا، أصبحوا شاحبين وناحلين ومنهكين، يستيقظون في الثالثة صباحاً بصدمةٍ وخربشات على دفاتر الملاحظات الملقاة بجانب أسِرَّتِهِم.
لم يعرف الرقيب المشرف عليهم ما إذا كانوا سيجدون الإجابة يوماً. على حد معلوماته، لم يمسكوا حتى طرف الخيط في القضية.
في نهاية الأمر، كان يعتقد أن الأمر بيد الله ما إذا كانوا سيعتقلون أحداً.
الرقيب الذي يعدُّ نفسه مسيحياً بولادة جديدة [*أحد المفاهيم الدينية]، يحمل كتاباً مقدساً في حقيبته. لم يكن لديه شك في أن الجنة والجحيم حقيقيان. لم يرَ الخير والشر فكرتين نظريتين أو فلسفيتين، بل بكونهما حقائق مطلقة تمشي منتصبة القامة عبر العالم. آمَنَ بقوى النور والظلام. آمَنَ بمسّ الشيطان. لقد اعتبر أمراً واقعاً أن الشيطان وأتباعه يسودون حالياً على الأرض.
«أؤمن بأن هنالك شياطين في كل مكان حولنا»، قال: «تماماً كما أؤمن بأن هنالك ملائكة في كل مكان حولنا.»
وعندما نظر في أدلة القضية المعروضة أمامهم الآن، درس صور الجثث والحبال والكتل الخرسانية، لم يكن لدى الرقيب شك في أنه هو والمحققون الآخرون يطاردون شخصاً مدفوعاً بقوى شيطانية.
بالتأكيد كانت الشياطين حقيقية. الآن، كانوا يطاردون واحداً.
جائزة بوليتزر عام 1998 عن فئة Feature Writing
وضع العرب فصل الجمل ووصلها باكراً في مرتبة عالية؛ فقد سُئِل: ما البلاغة؟ قيل: معرفة «الفصل من الوصل». وذهبوا في تفصيل ذلك مذاهب شتّى، حتى أصبح باباً انشغلوا به أيّما انشغال.
لسببٍ ما، فقد النثر الصحافي الشغف بهذه الأداة، فباتت الكتابات ممّلة رتيبة بسيادة حرف العطف «و» على غيره في مواضع «الفصل الوصل»، وأمست أجزاء الجملة كلّها تُكال بميزان واحد.
انظر إلى هذا البناء الدرامي الذي أدخله «عبد الحميد الكاتب» قبل 1300 عام في تركيب الجملة العربية الممتدة، ومواضع «الفصل الوصل» في رسالةٍ وجهها إلى ولي العهد عبد الله بن مروان قبيل انهيار الدولة الأموية:
وليكن أوّل ما تَقْدم به في التهيّؤ لعدوك، والاستعداد للقائه، انتخابك من فرسان عسكرك وحماة جندك، ذي البأس والحنكة والجَلَد والصّرامة، ممّن قد اعتاد طِرَاد الكماة، وكَشَّرَ عن نَاجِذِه في الحرب، وقام على ساق في منازلة الأقران، ثقف الفروسية، مستجمع القوة، مُستحصد المريرة، صبوراً على أهوال الليل، عارفاً بمناهز الفرص، لم تمهنه الحنكة ضعفاً، ولا أبلغت به السنّ كلالاً ولا أَسْكَرَتْه غرّة الحداثة جهلًا، ولا أبطرته نجدة الأغمار صلفاً، جريئاً على مخاطرة التّلف، مقدماً على أذراع الموت، مكابراً لمرهوب الهول، مُتقحماً مَخْشِيَّ الحتُوف، خائضاً غَمَرات المهالك، برأي يؤيده الحزم، ونيّة لا يخالجها الشك.
ارتبطت «العربية» من حيث التطور بداية بلغة الشعر. كانت حياة العرب تدور حول الشعر؛ الجملة الموزونة موسيقياً.
لذلك تجد التقديم والتأخير والإضمار والتقدير والحذف، وأن حرفاً واحداً يحل محل جملة بأكملها، وأن الزمن «مطاط» فيمكن لصيغة المضارع أن تشير إلى الزمن الماضي أو العكس. فقد احتاج الشعراء إلى هذه المرونة للإبداع في أبياتهم.
الحق، أن هذه «المرونة» تصبح تحدياً في لغة النثر الصحافية.
فكيفية بناء «الجملة الواضحة» في اللغات الحية الأخرى كالألمانية مثلاً، أمر مفروغ منه؛ وله قاعدة؛ في العربية لا توجد هذه القاعدة.
انظر إلى هذا التنوع في الجمل التي أوردها د. فاضل السامرائي في كتابه «النحو العربي: أحكام ومعان»، من دون أن يحصل لبس بين المعطي والآخذ. فالمعطي في كل هذه الجمل هو محمد والآخذ خالد. وعلى الرغم من أن ثمة تغييراً طفيفاً على معنى كل جملة، إلا أن ذلك لا يؤثر في معناها العام.
وكل واحدة مختلفة عن الأخرى من حيث إزالة اللبس في ذهن المخاطب، بطريقة أو بأخرى:
-
أعطى محمدٌ خالداً كتاباً.
المخاطب لا يعلم شيئاً عن الموضوع بأكمله.
-
محمدٌ أعطى خالداً كتاباً.
المخاطب يعلم أن شخصاً ما أعطى خالداً كتاباً، ولكنه لا يعلم تماماً من هو. لذلك تقدم «محمد» لإزالة اللبس.
-
خالداً أعطى محمدٌ كتاباً.
المخاطب يعلم أن محمداً أعطى كتاباً شخص ما، لكنه يجهل من هو، فتقدم «خالداً» لإزالة اللبس.
-
كتاباً أعطى محمدٌ خالداً.
المخاطب يعلم أن محمداً أعطى خالداً شيئاً ما، لكنه لا يعلم ما هو، فتقدم «كتاباً» لإزالة اللبس.
-
كتاباً خالداً أعطى محمدٌ.
المخاطب يعلم أن محمداً أعطى شيئاً ما شخصاً ما، لكنه لا يعلم الشيء ولا الشخص، فتقدم «كتاباً» و«خالداً» لإزالة اللبس.
وهكذا..
خلق الشعر هذه «المرونة» في اللغة؛ لكن في «النثر»، ومع عدم وجود قاعدة لـ«الوضوح» في اللغة العربية، يعتمد الصحفي على مهاراته في بناء الجمل، ما يفضي في كثير من الأحيان إلى الالتباس في المعنى، بغير ما يقصده. وهذا يتنافى مع وظيفة اللغة في «إزالة اللَّبس».
يعد أمن اللَّبس من المقاصد الكبرى في الدراسات النحوية، لأن اللبس في الكلام يخل بالفائدة المرجوة منه.
وقد أدرك العرب هذا المعنى، وكانوا أشد حرصاً على الإبانة والوضوح، وعدم الخلط بين المعاني المختلفة، وإزالة اللبس عن اللفظة أو التركيب اللذين يحتملان المعاني المتعارضة.
في «البيان والتبيين»، يقول الجاحظ «يكفي من حظ البلاغة ألا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع».
فالوظيفة الأولى للغة هي تحقيق الفهم والإفهام، يقول د. تمام حسان في «النظام النحوي» إن «اللغة العربية- وكل لغة أخرى في الوجود- تنظر إلى أمن اللبس باعتباره غاية لا يمكن التفريط فيها لأن اللغة الملبسة لا تصلح واسطة للإفهام والفهم وقد خلقت اللغات أساساً للإفهام وإن أعطاها النشاط الإنساني استعمالات أخرى فنية ونفسية».
لكن كيف أعرف أن الجمل التي أكتبها «واضحة»؟
إذا وجدتَ أن جملة ما تستعصي عليك، استخدم مبدأي الوضوح هذين:
[أساساً، القصة سرد عن «شخصيات» تقوم بـ«أكشن» معين.]
المبدأ الأول: اجعل الشخصيات الرئيسية بصيغة «الفاعلَ» في الجملة.
المبدأ الثاني: اجعل الـ«أكشن» الأساسي بصيغة «الفعل» في الجملة.
دعنا نطبق هذان المبدأان على الجملة التالية:
استندت حجة المعارضين للثورة فيما يتعلق بزعزعة استقرار الدولة بسبب الديمقراطية، إلى اعتقادهم بأنه ثمة ميل لدى «الثوّار» الذين استلموا سدة الحكم، إلى تعزيز مصالحهم الذاتية على حساب الصالح العام.
كما ترى: «الشخصيات»، (وهي في الجملة «المعارضين»)، ليست «الفاعل»، فالفاعل في الجملة هو «حجة».
أيضاً، «الأكشن» الأساسي (وهو في الجملة «حجة»، «زعزعة»، «تعزيز»)، لم يأتِ بصيغة «الفعل». ثم أن الجملة تفتقر إلى فعل رئيسي به «أكشن». كما ترى جاء «استند» فعلاً رئيسياً في الجملة وليس به «أكشن».
الآن دعنا نغير النص بوضع «الشخصيات» في صيغة «الفاعل» والـ«أكشن» في صيغة «الفعل»، وستجد أن النص أصبح أكثر وضوحاً وسهلاً قراءته:
جادل المعارضون للثورة بأن الديمقراطية تزعزع استقرار الدولة؛ فهُم يرون أن «الثوّار» الذين استلموا سدة الحكم، يعزّزون مصالحهم الذاتية على حساب الصالح العام.
علاقة «الأكشن» بالأفعال
المبدأ إذاً يقول: الجملة تكون واضحة عند التعبير عن الـ«أكشن» باستخدام الأفعال.
لنأخذ مثالاً، انظر كيف أن الأكشن (بالحروف العريضة) في المثال أدناه لا يُعبّر عنه بأفعال، إنما بصيغة المصدر الاسمية التي لا ترتبط بزمن له بداية ونهاية:
خلال أعوامها الثلاثين، تمكنت جهينة من إعادة صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، والتوسع والتنوع في إنتاجها، لتبدأ في العام الجاري تصنيع ألبان نباتية، لــتصل بمنتجاتها إلى إجمالي 200 منتج يتم توزيعــها في مصر وتصديرها لعدد من الدول الإفريقية والعربية والأوروبية. (صياغة المصدر)
ثم انظر إلى التعديل، كيف يستخدم الأفعال للتعبير عن الأكشن:
مرّت ثلاثون عاماً؛ أعادت «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وحققت أرباحاً متصاعدة، ونوّعت في الإنتاج، وتصنّع هذا العام ألباناً نباتية، لــيصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعــها في مصر وتصدّرها إلى دول عربية وإفريقية وأوروبية.
أو انظر إلى هذه الصيغة:
كثيراً ما تزخر الكتابة الصحافية بـ أنْ المصدرية وأنّ/إن المشبهة بالفعل، انظر:
ستمرّ ثلاثون عاماً؛ ستعيد «جهينة» خلالها صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، وستحقق أرباحاً متصاعدة، وستنوّع في الإنتاج، وتصنّع هذا العام ألباناً نباتية، لــيصل عدد منتجاتها إلى 200 نوع، توزّعــها في مصر وتصدّرها إلى دول عربية وإفريقية وأوروبية.
قال المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان سهيل شاهين إنه يجب على الرئيس السابق أشرف غني أن يعيد أموال الشعب الأفغاني، مؤكداً أنه لا يملك تلك الأموال، وأنه هرب بها دون وجه حق.
غير أنه أوضح أن ملاحقة غني لاستعادة أي أموال قد يكون استحوذ عليها ليست أولوية، وأن اهتمام الحركة منصب الآن على موضوع الحكومة، ولن تجري تلك الملاحقة قبل تشكيل الحكومة الجديدة. (صياغة المصدر)
وفي أغلب الأحيان يمكن التخلص منها، ما يضفي الأكشن على النص:
قال سهيل شاهين، المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة طالبان، إنه يجب على الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني إعادة أموال الشعب؛ لأنها ليست ملكاً له، وقد هرب بها دون وجه حق.
وأوضح شاهين أن حركة طالبان لا تهتم الآن بأمر استعادة الأموال المستولى عليها، وتنصب جهودها على تشكيل حكومة جديدة ستلاحق الرئيس غني.
الأكشن قد يكون أحياناً مدفوناً في الجار والمجرور، أو في الصفات، أو الصفة المشبهة بالفعل، أو الحال.. إلخ، كل ما عليك هو إخراجه إلى النور بتحويله إلى صيغة الفعل:
حالت قلة البيانات لدى منظمات المجتمع المدني دون تقييم إجراءات الأمم المتحدة في توجيه الأموال إلى المناطق التي هي في أمسِّ الحاجة إلى المساعدات.
التعديل:
لأن منظمات المجتمع المدني كانت تفتقد البيانات، لم تستطع تقييم ما إذا كانت الأمم المتحدة قد وجهت الأموال إلى المناطق التي تحتاج إلى المساعدات العاجلة.
علاقة «الشخصية» بالفاعل
يتوقع القارئ أن تستخدمَ الأفعال للتعبير عن الأكشن، لكنه يتطلّع أكثر إلى أن تكون الشخصيات هي الفاعل في الجملة. إن استخدام الأسماء المجردة فاعلاً في الجملة من دون سبب وجيه، غالباً يتسبب في تشويش القارئ. من المهم التعبير عن الأكشن بأفعال، لكن المبدأ الأهم في الوضوح: اجعل الشخصيات الأساسية الفاعلَ في جملك الرئيسية.
لنأخذ هذه التركيبة المألوفة في الأخبار، فقد جاء الفاعل (تحته خط) مجرداً، وليس الشخصية الرئيسية (بالخط العريض) في الجملة:
كانت المخاوف تتصاعد -بالأخص في أوروبا- من الزيادة النسبية في عدد المساجد الضخمة التي شيَّدتها الحكومة التركية في السنوات الماضية في القارة السمراء. (صياغة المصدر)
لنضع الفاعل في مكانه الصحيح باستخدام مبدأ «الشخصيات» في الجملة، ونسهّل على القارئ فهم الجملة ونوفّر عليه أي تشويش محتمل:
أبدت أوروبا مخاوفها، بسبب تزايد أعداد المساجد الضخمة التي تشيّدها الحكومة التركية أخيراً في أفريقيا.
وهنا مثال آخر:
عند الحديث عن الوجود التركي المتصاعد في غرب أفريقيا، تحضر المنافسة التركية الفرنسية إلى الواجهة، حيث يُعَدُّ الوجود التركي مُزعجاً لباريس الساعية لمزيد من التمدُّد. (صياغة المصدر)
التعديل:
عادت المنافسة بين باريس وأنقرة إلى الواجهة بعد أن أبدت فرنسا التي تسعى إلى التمدد في غرب أفريقيا، انزعاجها من تزايد نفوذ تركيا هناك.
وآخر اقتصادي:
التدخلات الحكومية الخاطئة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير أدت إلى تشويه نمو السوق وإعاقة تطوير منتجات جديدة.
التعديل:
عندما تتدخل الحكومة في سوق التكنولوجيا سريعة التغيير، فــإنها تشوّه الكيفية التي تنمو بها هذه السوق، وتعيق قدرتها على تطوير منتجات جديدة.
حتى الآن، تحدثت عملياً عن الجملة الفعلية في اللغة العربية، على اعتبار أن لغة الأخبار، هي لغة أفعال؛ لغة ما يطرأ من أحداث جديدة تتطلب إبلاغاً عن انتقالها من حال إلى حال. علماً أن الأمر لا يختلف كثيراً مع الجملة الاسمية.
يناقش عالم اللغويات المغربي عبد القادر الفاسي الفهري في كتابه «اللسانيات واللغة العربية»، 1985، دار توبقال، قضية ترابط الجملتين الفعلية والاسمية في اللغة العربية ببنية عميقة واحدة (مسند ومسند إليه)، رغم اختلاف شكليهما في البنية السطحية. من ثَمّ، فإن التمييز الذي يضعه النحو التقليدي بين الجملتين لا يغطي دلالاتهما الفعلية.
إذاً، المبدأ العام للجملة الفعلية الواضحة: اجعل الشخصية/الشخصيات الرئيسية الفاعلَ في الجملة. اجعل الأكشن الأساسي الذي تقوم به هذه الشخصيات أفعالاً في الجملة. ذهنياً، يتكامل مستويان من بناء الجملة في دماغ القارئ:
مستوى النحو: وهذا المستوى ثابت نسبياً:
فعل »»» فاعل »»» مفعول به
مستوى القصة: وهذا المستوى متغير:
الشخصية/الشخصيات »»» (وما تقوم به من) أكشن.
يتوقع القارئ أن يتكامل مستوى القصة مع مستوى النحو؛ أي أن يتطابق الأكشن مع صيغة «الفعل»، والشخصية مع صيغة «الفاعل». عندما تُخيّب توقعات القارئ في تكامل مستوى النحو مع مستوى القصة، فإنك تجعله يبذل جهداً أكثر من اللازم في عملية الفهم، لذلك تجده يقول: الجملة غامضة، غير مفهومة، ومعقدة.
ولكن، ألا يفضي ذلك إلى أن تصبح الكتابة مملة وسطحية؟
الوضوح لا السذاجة
الكتابة ليست قضية موهبة، وليست تفانياً، أو تجلّياً، أو مسألة مفردات، أو أسلوب. الكتابة عملية استكشاف عبر اللغة. استكشاف ما ينبغي لك أن تعرفه، وما تشعر به حيال ما تعرفه، من خلال اللغة. في الكتابة نستخدم اللغة للتعرف إلى العالم، ولتقييم ما نعرفه عن العالم، ولنقل ما نعرفه عن العالم، كما يقول كتاب The Essential Don Murray عن الكاتب والصحفي دون موري.
القارئ يريد أنْ تكتبَ بوضوح، لكنه لا يريد أنْ تكتبَ جملاً ساذجة. فالعالم مليء بأشياء معقدة لا يمكن التعبير عنها بإيجاز وسطحية. مع ذلك يمكنك كتابة جمل معقدة عن أشياء معقدة، لكنها تبقى واضحة وقابلة للقراءة.
ⓘ - نظام الجملة العربية
لم يحظَ نظام الجملة العربية بالدراسة الكافية لدى نحاة «عصور الاحتجاج» الذين أرسوا قواعد اللغة. فلا تجد بين كتبهم الكثيرة، كتاباً عن الجملة العربية، أو حتى فصولاً من كتاب. كل ما لدينا إشارات سريعة متناثرة، إلى أن جاء عبد القاهر الجرجاني، بعد انقضاء «عصور الاحتجاج»، ليولي ـولأوّل مرّة- «نظام بناء الجملة» كامل عنايته في كتابه «دلائل الإعجاز». ويتناول نظام الجملة في التقديم والتأخير مع الاستفهام والنفي والخبر المثبت، وفي الفصل والوصل، وفي القصر والاختصاص.. وما إلى ذلك.
لكن الجرجاني فُهِمَ خطأ بأنّه يتحدّث في شيء آخر غير قواعد اللغة، فجاء من كمّل عمله كالسكاكي والخطيب القزويني والسبكي وأبي هشام الأنصاري، ليؤسسوا ما أسموه بـ«علوم البلاغة». ومنذ ذلك الحين أصبح «حُسْن الجملة» شيئاً ما خارج قواعد اللغة؛ إلهاماً غامضاً، وحياً يمتاز به كاتب دون آخر من دون سبب معلوم.
ليس ذلك فحسب، فقد لجأ البلاغيون إلى تفسير الظواهر اللغوية خارج نظام اللغة، وعزوا مثلاً تقديم المسند إليه أو تأخير المسند إلى شواهد معينة كالتمكن في ذهن السامع، والتعجيل بالمسرّة أو المساءة، أو الاستلذاذ والتعظيم والتحقير وغير ذلك. وباتت لـ«المعاني» حياةٌ خارج اللغة؛ في أذهان السامعين أو في مقاصد المتكلمين. والحق، أنه لإدراك ما في اللغة من حُسْن وجمال ينبغي دراستها لغوياً، ولا يأتي ذلك دائماً من اللغويين. إن أفضل تقنيات الكتابة وأدواتها اللغوية في الإنكليزية، جاءت من الكُتّاب أنفسهم بالتركيز على الأساليب المختلفة في بناء الجملة أوّلاً. الجرجاني نفسه في كتابه «دلائل الإعجاز»، بانشغاله في بناء الجملة، كان مُتكلِّماً، فيلسوفاً، أديباً ناقداً أكثر من كونه لغوياً.
ⓘ - ظواهر لغوية
لننظر إلى هذه الظواهر اللغوية:
استخدام صيغة الماضي للتعبير عن حدث مستقبلي:
(أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)؛ أي سيأتي.
وهنا استخدام صيغة الماضي للتعبير عن الحال:
(وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)؛ أي لا يزال.
وهنا استخدام صيغة الحاضر للتعبير عن حدث ماضي:
(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ)، أي ما تلت.
واللافت هنا توالي فعلين أحدهما في صيغة الماضي والآخر في صيغة المضارع لحدث واحد.
وهنا:
(قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، أي قتلتم.
وبمجرد أن نبدأ بفصل صيغة الفعل عن الزمن، وكيفية ترتيب الكلمات في الجملة، سريعاً ما ندرك مواطن الحسن والجمال في اللغة العربية.
يسهب الدكتور إبراهيم أنيس في شرح ذلك في كتابه «من أسرار اللغة». ولعلّ التعريف الذي وضعه للجملة؛ الأمر الذي اختلف فيه الأقدمون، هو الأكثر نضجاً: الجملة في أقصر صورها هي أقل قدر من الكلام يفيد السامع معنى مستقلا بنفسه، سواء تركب هذا القدر من كلمة واحدة أو أكثر. فإذا سأل القاضي أحد المتهمين قائلاً: مَنْ كان معك وقت ارتكاب الجريمة؟ فأجاب: زيدٌ، فقد نطق المتهم بكلام مفيد في أقصر صورة.

مسموم
إذاً، لفهم المقصود بـ«الوضوح» و«البساطة»، دعنا ندرس مطلع قصة «Poisoned» (مسموم)، وحازت جائزة بوليتزر عام 2022 عن فئة التحقيقات:
داخل مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا، تتكاثر السموم.
الكادميوم. الزرنيخ. ثاني أكسيد الكبريت.
لكن الرصاص هو الأكثر تفشيّاً.
فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.
مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.
والعواقب كانت وخيمة.
اللغات في العالم تنقسم إلى قسمين:
اللغات ذات «الجملة المستقرة» كالألمانية والفرنسية والإنكليزية. فليس للمتكلم بهذه اللغات أن ينتقل بالكلمة من مكانها المعين في الجملة. هذا لا يعني أنها جامدة، فأي لغة لا تكاد تخلو من نوع من المرونة في ترتيب كلماتها.
واللغات ذات «الجملة الحرة» كالإغريقية واللاتينية، فهما لا تكادان تخضعان لنظام معين في ترتيب الكلمات. ومع ذلك فهي ليست حرة بشكل مطلق. فانتقال الكلمات داخل الجملة يخلق اختلافاً في المعنى.
العربية أقرب لهذه المجموعة الأخيرة. لذلك على الصحفي الجيّد ألّا يكتفي بالعثور على أفضل الكلمات، بل عليه ترتيبها داخل الجملة أفضل ترتيب. فنَظْم الكلام وترتيب الكلمات، كما يقول الجرجاني، أشبه بنظم اللؤلؤ والجواهر في سمط نفيس.
إليك التعليق
داخل مَصْهَر الرصاص الوحيد في فلوريدا، تتكاثر السموم.
تتحدى الجمل قوانين الفيزياء، ويمكن إضفاء الحسن بوضع مركز الث قل في بداية الجملة أو نهايتها. انتبه كيف أعاد الكاتب ترتيب الكلمات بوضع «تتكاثر السموم» في نهاية الجملة.
الكادميوم. الزرنيخ. ثاني أكسيد الكبريت.
هذه المواد الكيميائية لا تحتاج إلى شرح، فأسماؤها وحدها كافية لبث القشعريرة في الأجساد. كل كلمة مكتفية بذاتها. جملة بحد ذاتها. انتبه أيضاً أنها جاءت في فقرة وحدها.
«فالغبار المحمَّل به يخيّم كضباب كثيف مخترقاً مبنى المصنع حيث يفتح العمال بطاريات السيارات المستهلكة بشقِّها، يستخرجون الرصاص ويصهرونه في فرن تصل حرارته إلى نحو 1500 درجة. الرصاص المصهور يُعاد تشكيله وبيعه للشركات التي تصنع بطاريات جديدة ومنتجات أخرى.»
مهمة الصحفي أن يجعل الأشياء غير المألوفة مألوفة، وهذا ما تفعله هذه الفقرة، تكشف الوقائع المخفية والمخيفة. انظر أيضاً إلى الأفعال/المصادر: يخيم، محمَّل، مخترق، يستخرج، يصهر، يعيد تشكيل.
«مئات العمال تعرَّضوا لكميات هائلة من السمّ المخرِّب للأعصاب.»
تقديم المسند إليه «مئات العمال» جاء في مكانه الصحيح حيث مركز الثقل في بداية الجملة؛ إنّهم العنصر الإنساني في القصة، وهم الضحايا.
«والعواقب كانت وخيمة.»
الجمل القصيرة وقعها أقوى من الجمل الطويلة، فأهم الأفكار تأتي عادة في أقصر الجمل. وهذه الجملة الأخي رة تختصر كل شيء بثلاث كلمات.
الكلمات القوية: الأسماء والأفعال
-
هل أفعالك مبنية للمعلوم، وليست مبنية للمجهول إلا عندما يتطلب ذلك؟ هل تعبر عن الأكشن؟ عن الحركة؟ الشدّ والتوتر؟
-
هل الأسماء حيوية وملونة ومحددة؟ هل تصف الشخصية؟ مكان القصة أو محيطها؟ تخلق صوراً في ذهب القارئ؟
-
استبدل الأفعال الضعيفة والعبارات الحالية والظرفية بأفعال أكشن قوية، كلما أمكن ذلك.
-
استبدل الأسماء المجردة والغامضة بأسماء وصفية ملموسة.
دع الأسماء والأفعال تفعل فعلها.
الأسماء الملموسة، تساعد القارئ على تصوير Visualize القصة.
الأفعال المبنية للمعلوم تقود القصة، وتمنحها الحياة.
الألفاظ المقيّدة Modifiers غير الضرورية، أو في غير سياقها الصحيح، تشوّش على الجملة؛ لأنها تغيّر معناها، كالظروف والصفات والأحوال.
يمكن أن يكون الأطفال هم أفضل من يعلِّم الصحفيين الكتابة جيداً. في البداية، يتعلمون الأسماء، ومن ثم الضمائر والأفعال، ومن ثم يتعلمون حروف الجر.. إلخ. في مرحلة لاحقة، عندما يصبحون أكثر مهارة في اللغة، يبدؤون بـ«فذلكة» كثرة استخدام الألفاظ المقيدة كالظروف والصفات والأحوال. لذا، قد تحتاج أن تعود مرة أخرى -ربما إلى طفولتك- لتتعلم كيف تستخدم الأسماء والأفعال، وتستكشف القوة التي تكمن فيها؛ وتتجنب قدر الإمكان «فذلكات» الأطفال.
ولعلَّ الصحفي الأمريكي ماير بيرغر هو أفضل من أتقن ذلك. فحيوية الأفعال والأسماء التي يستخدمها، وعدم استخدام الظروف والصفات إلا في مكانها المناسب، أكثر ما يميز أسلوبه الكتابي. ويعد بحق سيّد السرد الحيوي الذي يصف بالتفصيل مشاهد الأحداث وأصواتها. ولا يهم «ما إذا كان ذلك مجرد موكب، أو كسوف شمس أو مجرم قاتل يهيم على وجهه في الشوارع» كما جاء في نعوته.

بيرغر مات باكراً في الـ 60 من عمره، وفاز عام 1950 بجائزة بوليتزر عن قصة كُلِّف بها الساعة الـ 11 صباحاً، فسافر بالقطار، وأجرى عشرات المقابلات، وكتب قصته، وسلّمها في الـ 9:20 مساءً لتلحق المطبعة، وتُنشر في صباح اليوم التالي.
كانت القصة عن جريمة سبتمبر 1949. حينئذ، ارتكب هوارد أونريه، المحارب القديم في الحرب العالمية الثانية، أعمال عنف مروعة استمرت نحو 20 دقيقة باستخدام مسدس «لوجر»، ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، وفيما بعد توفي أحد المصابين الأربعة. وكان من ضمن ضحاياه ثلاثة أطفال تحت سن العاشرة وعشرة بالغين تتراوح أعمارهم بين 24 و68 عامًا.
بعد جريمة «كامدن»، وُجِّهت لأونريه 13 تهمة قتل، لكن تشخيصه بالانفصام في الشخصية أنقذه من الإعدام، فحُجِزَ في مستشفى للأمراض النفسية في غرفة منعزلة لمدة 60 عاماً إلى أن توفي عام 2008.
وإليك مطلع القصة:
هوارد بي. أونريه، 28 عاماً، محارب قديم، هادئ ولبق، خاض العديد من معارك المدفعية المدرّعة في إيطاليا، فرنسا، النمسا، بلجيكا وألمانيا، قَتَلَ هذا الصباح اثني عشر شخصاً بمسدس «لوجر» حصل عليه كتذكار حرب، وذلك في حيِّه بشرق «كامدن» بولاية نيو جرسي. وأصاب أربعة آخرين.
لم يكن لدى أونريه، وهو رجل نحيل بخدّين بارزين، وبطول 183 سم، شغوف بقراءة الكتاب المقدس والتدريب المستمر على استخدام الأسلحة النارية، ما يدلّ على إصابته بمرض عقلي، لكن الاختصاصيين أشاروا هذه الليلة إلى أنه لا شك مريض نفسياً، وأنه كان يعاني خُفية «عقدة الاضطهاد» طوال عامين أو أكثر.
المحارب القديم أُصيب برصاصة في فخذه الأيسر أطلقها صاحب حانة محلية، لكنه أبقى هذه الواقعة أيضاً سرّاً، فيما كان رجال الشرطة وميتشل كوهين، مدعي مقاطعة «كامدن»، يستجوبونه في مركز الشرطة لأكثر من ساعتين مباشرة بعد أن اضطرته قذائف الغاز المسيل للدموع على الخروج من غرفة نومه والاستسلام.
بُقَع الدم التي خلّفها على المقعد الذي كان يجلس عليه في أثناء الاستجواب، أظهرت إصابته. عند اكتشاف ذلك، نُقل إلى مستشفى «كوبر» في «كامدن»، كسجين متهم بالقتل العمد.
كان هادئاً خلال التحقيق معه، كهدوئه خلال العشرين دقيقة التي قضاها في إطلاق النار على الرجال والنساء والأطفال. فقط تألّقُ عينيه الداكنتين على نحو مفرط بين الحين والآخر، كان يشير إلى أنه ليس شخصاً عادياً.
قال للمدعي العام إنه منذ أمد بعيد كان يكتنف الغيظ تجاه الجيران وأصحاب المتاجر في الحي. «كانوا يتحدثون بألفاظ مهينة عن شخصيتي»، قال. بدا استياؤه منصبّاً على نحو أكبر تجاه السيد موريس كوهين وزوجته، اللذين كانا يعيشان في منزل مجاور له. وهما من بين القتلى.
لننظر إلى هاتين الجملتين مثالاً:
قَتَلَ هذا الصباح اثني عشر شخصاً بمسدس «لوجر» حصل عليه كتذكار حرب.
فقد استخدم بيرغر فعلَ «قَتَلَ» كما هو دون إضافة ألفاظ مقيدة، فقد كان بمقدرته أن يقول: «قَتَلَ بدم بارد» مثلاً، لكنه لم يفعل.
وهنا أيضاً:
وأصاب أربعة آخرين.
يكتفي بالفعل «أصاب» دون إضافة مقيدات، فقد كان بمقدرته مثلاً قول: و«أصاب أربعة آخرين بجروح بليغة،» وذلك لأنه في النهاية توفي شخص واحد منهم.
ما ينبغي أن تعرفه عن الألفاظ المقيدة، هي أنها تقيد المعنى:
فـ:
-
وردة، قد تكون أية وردة بالعموم.
-
وردة حمراء، أصبحت الوردة مقيدة باللون الأحمر.
-
وردة حمراء قانية، أصبحت الوردة من ذات اللون الأحمر القاني، وليس أي أحمر، وهكذا.
كَمَّاً، ستلاحظ أن عدد الورود عموماً أكبر من عدد الورود الحمراء، وهذه عددها أكبر من عدد الورود الحمراء القانية، ذلك لأنك تقيّد المعنى بـ«الأحمر»، ثم «القاني». وتقييد المعنى يعني أنه أقل كمّاً، وليس كما يُتوَهّم عند استخدام الألفاظ المقيدة بأنها «إضافة» إلى المعنى أو زيادة عليه. عندما تدرك ذلك، فإن استخدام الألفاظ المقيدة عن إدراك ومعرفة، سيضفي الحيوية على نصك.
لنقرأ ما كتبه حازم صاغية وكيف يستثمر قوة استخدام الأسماء وحيوية الأفعال في السرد في مقالته «إيطاليا: مشكلتا الشمال والجنوب»:
حين رشقني بائع البوظة (الآي سكريم) في باليرمو، بسيل من كلامه الإيطالي السريع، قلتُ إنني لست إيطالياً، تجنباً لمزيد من الحرج. لكن جوابه القصير والمرفق بابتسامة ودية، جاء بالغ الوضوح والبساطة في آن: «وأنا أيضاً لست إيطالياً. أنا صقلي».
فالصقلية عند الصقليين ُهويّة قائمة بذاتها، تجسدها تفاصيل صغيرة وعادات يومية؛ منها بعض الأطعمة، وبعض الكلام، وبعض العلاقات الشائعة. فالناس في باليرمو، عاصمة الجزيرة، يتفاخرون بأن البيتزا الصقلية هي البيتزا الحقيقية وما عداها تقليد كاذب. وعلى الأقل أتيح لي أن ألمس أن البيتزا في فلورنسا الشمالية - الوسطى، وفي البندقية الشمالية، شيء آخر يختلف عن المأكل الجنوبيّ الذي صُدّر إلى أمريكا، ومن نيويورك كان شيوعه العالمي.
كذلك يختص الصقليون دون سواهم بمآكل كسندويش البوظة الملفوفة بالخبز، وحلوى كانولّي التي رأينا أحد القتلة في فيلم «العرّاب - ١» يحمل معه الوعاء الذي طلبت زوجته َملأه بها، بينما هو ينفّذ إحدى جرائم آل كورليونيّ.
أما الضجيج الذي يُسمع في شوارع باليرمو، آتياً من زمامير السيارات وأصوات الموتورات والعربات والدراجات، فضلاً عن أصوات الناس أنفسهم، فأشد تذكيراً بالمدن العربية والشرقية منه بالبندقية والشمال الإيطالي. والواقع أن البعد عن أوروبا هو ما لا يكفّ المرء عن اكتشافه في صقلية. فالتدخين، مثلاَ، الذي أصبح من سمات المجتمعات المتخلِّفة، متفشٍّ فيها، لا يتردد في ممارسته بعض الباعة وموظفي الإدارات والمعاملات العامة وبعض سائقي أدوات النقل.
ألاحظتَ أنّ صاغيّة لا يحاول تجنب صيغة المبني للمجهول؟ ولا يستخدم تركيبة «تم»، التي تُستخدم بكثرة في الصحافة.
الشخصيات والمبني للمجهول
ربما كانت النصيحة الأكثر شيوعاً التي تعلمناها في الصحافة هي أن نبتعد عن صيغة المبني للمجهول؛ لأنها ببساطة تجعل القارئ يتساءل عن فاعل الفعل في الجملة، ومهمتك بوصفك صحفيّاً أن تجاوب عن سؤال: مَنْ؟ لا أن تطرحه على القارئ. النصيحة بحد ذاتها جيدة، لكنها في صحافتنا اتخذت تركيبةً «تمّ» استيرادها من اللغة الإنجليزية، هرباً من صيغة المبني للمجهول الثقيلة على اللسان العربي أحياناً، وأخذاً بالنصيحة الغامضة بالكتابة بصيغة المبني للمعلوم.
لكن المشكلة تظلّ قائمة عملياً؛ فلا يزال الفاعل في الجمل أدناه (تحتها خط) غير معروف، رغم أنها جاءت بصيغة المبني للمعلوم:
قال محافظ الخليل جبرين البكري إنه على إثر صدور مذكرة إحضار من النيابة العامة لاعتقال نزار خليل محمد بنات، قامت فجر الخميس قوة من الأجهزة الأمنية باعتقاله، وخلال ذلك تدهورت حالته الصحية، وفوراً تم تحويله إلى مشفى الخليل الحكومي، وتم معاينته من قبل الأطباء، وتبين أن المذكور متوفى، وعلى الفور تم إبلاغ النيابة العامة التي حضرت وباشرت بإجراءاتها وفق الأصول. (صياغة المصدر)
ولفهم سبب شعورنا بأن هذه الجمل مبنية للمجهول، علينا أن نميز بين المبني للمجهول نحوياً، والمبني للمجهول مجازاً من حيث المعنى. وفيما يلي سأتحدث عن المبني للمجهول نحوياً.
متى تقرر المبني للمجهول من المبني للمعلوم؟
إن تركيبة «تمّ» التي يلجأ إليها الصحفيون بإفراط لا تحلّ المشكلة التي يثيرها عادةً الداعون إلى تجنب صيغة المبني للمجهول بدعوى أنها تحذف «فاعل» الفعل. لا بل إن المبني للمجهول هو الخيار الأفضل في الكثير من الأحيان:
وفوراً نُقل إلى مشفى الخليل الحكومي، وعاينه الأطباء الذين وجدوا أنه قد تُوفّي، وأُبلغت النيابة العامة التي حضرت، وباشرت إجراءاتها وفق الأصول.
للاختيار بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول عليك أن تجيب عن ثلاثة أسئلة:
هل على القارئ أن يعرف مَنْ المسؤول عن الأكشن؟
غالباً، لا نذكر مَنْ قام بأكشن ما لأننا لا نعرفه ولأن القارئ لا يهتم بمعرفته.
أي صيغة ستساعد القارئ على الانتقال بسلاسة من جملة إلى أخرى، المبني للمعلوم أم المبني للمجهول؟
لدى طرح فكرة ما، سيسهل على القارئ وضع سياق قبل إيراد المعلومة الجديدة. الجملة التي تبدأ بمعلومة جديدة غير متوقعة تربك القارئ. في الفقرة أدناه، تقدم الجملة الثانية معلومات جديدة (بالأصفر) قبل أن تورد سياقها (تحته خط):
كما تلحظ، جاء «اتخاذ القرار» مبنياً للمعلوم، لكن الجملة ستكون أسهل في القراءة إذا استخدمنا المبني للمجهول وقدمنا السياق (تحته خط) إلى بداية الجملة:
هل نحسّن التعليم في المواد العلمية وحدها أم نرفع مستوى كامل المنهاج الدراسي؟ سيُبنى القرار استناداً إلى الأهمية التي نعطيها للقدرة التنافسية في مجال الصناعة مقابل القيمة التي نعلقها على العلوم الإنسانية.
بحلول أوائل عام 1945، كان الحلفاء قد هزموا ألمانيا أساساً. وما تلا ذلك لم يكن سوى ذروة دموية للمعارك. فقد اخترقت القوات الأمريكية والفرنسية والبريطانية والروسية حدود ألمانيا، وقصفتها على مدار الساعة. مع ذلك، لم يدمروا ألمانيا إلى درجة نزع قدرتها على المقاومة.
أي صيغة ستقدم للقارئ وجهة نظر أكثر اتساقاً، المبني للمعلوم أم المبني للمجهول؟
في المقطع التالي عن نهاية الحرب العالمية الثانية، يكتب الصحفي تقريره من وجهة نظر الحلفاء، لذلك جاءت دول الحلفاء بصيغة الفاعل واستخدم أفعالاً مبنية للمعلوم:
لو أراد الصحفي شرح ما حدث من وجهة نظر ألمانيا لاستخدم المبني للمجهول، وجعل من ألمانيا نائب الفاعل:
بحلول أوائل عام 1945، كانت ألمانيا قد هُزمت أساساً. وما تلا ذلك لم يكن سوى ذروة دموية للمعارك. فحدودها انتُهكت، وقُصفت على مدار الساعة. مع ذلك، لم تُدمّر ألمانيا إلى درجة نزع قدرتها على المقاومة.
اللغة
-
هل اللغة محددة؟ زاهية؟ بصرية؟ سهلة القراءة؟ تروق للحواس؟ للعواطف؟
-
هل اختيار الكلمات واختيار التفاصيل يساعدان القارئ على تخيل مكان القصة ومحيطها؟ على فهم الشخصية؟ على التعاطف مع الشخصية الرئيسية؟ على تخيل الأكشن ومشاهدته بعين العقل؟
-
هل تضيف الألفاظ المقيّدة الحيوية على نصك؟ هل يتم استخدامها باعتدال؟
-
هل الانتقالات سلسة؟ واضحة؟ تدفع القارئ إلى الأمام؟
-
هل العبارات الملطّفة: الرطانة والإطناب، المترادفات، الكليشيهات، تشوش النثر؟
-
تخلّص من الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، والكتابة المذيلة بالحواشي.
اكتب بلغة واضحة، وأسرة، وملموسة
اللغة هي لوح ألوان الكاتب. هي مكان إجراء التجارب واختبارها. مكان للاستمتاع باللعب بالكلمات. لكن كنْ ملموساً، واضحاً، آسراً.
تتغذى القصص على التفاصيل الملموسة، وليس على اللغة المجردة فقط.

أوضح جورج أورويل المثال الكلاسيكي للغة التي تروق الحواس والعواطف بالضد من اللغة المعاصرة المبهمة، وذلك بإعادة صياغة الآية 11 من الإصحاح 9 سفر «الجامعة»:
فَعُدْتُ ورأَيْتُ تحت الشمسِ: أنَّ السَّعيَ ليس للخفيفِ، ولا الحرْبَ للأقوِياءِ، ولا الخُبزَ للحكَمَاءِ، ولا الغِنى للفُهَمَاءِ، ولا النِّعْمةَ لذَوِي المعرِفةِ، لأَنَهُ الوَقتُ والعَرَضُ يلاقِيَانِهِمْ كافَّةً.
أما النسخة التي أعاد صياغتها أورويل في مقالته Politics and the English Language، بالمصطلحات الحديثة:
إنَّ النظرةَ الموضوعيةَ للظواهرِ المعاصرةِ تفرضُ استنتاجاً مفاده أنَّ النجاحَ أو الفشلَ في الأنشطةِ التنافسيةِ لا يَظهران بأنّهُما متكافئان مع القدراتِ الفطريةِ لدَىَ الأشخاص، بلْ ينبغي أخذُ عوامل كثيرة لا يمكن التنبؤ بها بعينِ الاعتبارِ.
أي نسخة تروق القراءة؟ بالتأكيد نسخة «سِفْر الجامعة».
تخلص من الحشو في نصك. كن واضحاً. لامس العواطف. ارسم صورة. اجعل لكل كلمة قيمتها.

سُلَّم التجريد
إن «سُلَّم التجريد» الذي قال به عام 1939 عالم اللغويات الأمريكي صموئيل إيشيا هاياكاوا في كتابه Language in Action، هو من أعظم الابتكارات في الكتابة والتفكير. وسُلَّم هاياكاوا يُستخدم بمئات الطرق للمساعدة على التأمل في اللغة والتعبير عن المعاني. ولتبسيط الفكرة سألجأ إلى مثل مصري شارح يقول: «زي إللي رقصوا على السُّلَّم».
فأن تكون كاتباً جيداً عليك صعود سُلَّم اللغة وهبوطه باستمرار، إياك والوقوف في منتصفه للرقص. في أعلى السُّلَّم تكون اللغة مجرّدة كالحرية والمعرفة، وفي أسفله تكون اللغة مادية مرتبطة بالحواس كالشجرة والصخرة.
ليس للغة المجردة طعم ولا رائحة، ولا يمكن قياسها؛ إنها تحتكم إلى العقل، أما اللغة المادية فتحتكم إلى الحواس. أنْ تقف في المنتصف فلا «إللي فوق» سيرَوْنك، ولا «إللي تحت» سيصفقون لك. هناك تتوارى اللغة الرتيبة والروتينية للدوائر الحكومية. عندما تكتب نصاً، ولا يستطيع القارئ أن يراه أو يفهمه، فأنت عالقٌ في منتصف السُّلَّم؛ ولغتك لغة صحفي خائف مرتبك، غير واثق من أدواته ومعلوماته.
لتبسيط الفكرة، اقرأ هذا النص من مادة نشرتها «واشنطن بوست» للصحفي الرياضي، توماس بوزويل. ستجد أنه يصعد السُّلَّم ويهبطه برشاقة.
عند منتصف الليل، يأتي عمال التنظيف متسللين تحت الأضواء الشبحية لمثلث ملاعب البيسبول الفارغة، بمقشّاتهم التي تكنس ببطء، وخراطيم المياه المتدفقة المتراخية. طوال الموسم، يزيلون قمامة مباراة لا حياة فيها. الآن، مع (نهاية موسم المباريات) وتقاصر الأيام في سبتمبر وأكتوبر، يأتون لجمع أرواح البيسبول.
العُمْر زبّالٌ، والإصابة مقشّته.
بين مزيج أكواب الجعة المبعوجة، والأغلفة الملطخة بالخردل المتجهة إلى كومة النفايات، نجد أصدقاء قدامى يُرسَلون إلى سلة مهملات تاريخ البيسبول.
فالمعنى المجرد لـ«قمامة مباراة لا حياة فيها»، يتجسد في «أكواب الجعة المبعوجة» و«الأغلفة الملطخة بالخردل». كما أن عمال التنظيف بمقشّاتهم وخراطيم المياه، يتحولون إلى حاصدين لأرواح البيسبول. ستلاحظ أيضاً في النص السابق أن شخصيات عمال التنظيف تمنح القصة الحيوية؛ بدونها يخاطر الكاتب بأن تكون كتابته باهتة.
بصفتك صحفيّاً، لا تستهن بالشخصيات مهما بدت لك ضئيلة.
لنأخذ مثالاً آخر:
في هذا النص البديع من مادة نشرتها «نيويورك تايمز» للصحفييْن مايكل بولسن Michael Paulson وكارا باكلي Cara Buckley. ستجد أنهما يصعدان السُّلَّم ويهبطانه برشاقة. أحياناً حتى العبارة المؤلفة من كلمتين، كلمة في الأعلى، والأخرى في الأسفل. ولا وجود حتى لعبارة واحدة في منتصف السُّلَّم.
انتبه إلى هذه الكلمات..
أعلى السُّلَّم (المجردات): شهرة، قوة، سمعة، وضاعة، ذوق، موهبة، الترويع، ثورات الغضب، الإساءة، الانتقام، القساوة (معنوياً)، المعاناة، الألم، يوم الحساب، التنمر، اعتذار، شهية، تبعات.. إلخ.
أسفل السُّلَّم (المحسوسات): جوائز إيمي وغرامي وأوسكار وتوني، المرؤوسون، الأكواب، أجهزة الجوال، الدَّبَّاسَات، شركة تأمين، مسرح، سرطان الثدي، رابطة برودواي، الأعمال الفنية، سلوك (مجسّد).. إلخ.
لطالما كان سكوت رودين أحد أكثر المنتجين شهرةً وقوةً في هوليوود، وبخاصة في برودواي؛ فقد فاز الرجل بجوائز إيمي وغرامي وأوسكار و17 جائزة توني، كل ذلك بينما كانت سُمعته كأحد أكثر المديرين وَضاعةً تزدهر في الوسط الفني باطراد.
حظي ذوقه وموهبته بالتقدير في أفلام مثل «The Social Network» و«No Country for Old Men» والعروض المسرحية «To Kill a Mockingbird» و«The Book of Mormon»، وعُرِفَ أيضاً في عالم الترفيه بترويعه مرؤوسيه، ورميهم بالأكواب وأجهزة الجوال والدبّاسات، وكل ما كانت تطاله يده في ثورات الغضب.
ولكن إساءة معاملة المساعدين ليست سوى جزءٍ صغير من الطريقة التي مارس بها نفوذه.
لديه سمعة انتقامية؛ فبعد نزاع مع وكيل شركة طيران حول سعر تذكرة، قيل إنه ضغط على بعض زبائنه لتركه. وهو مولع بالمنازعات القضائية؛ فقد رفع دعوى ضد شركة تأمين للمطالبة بتعويضات هائلة، ملقياً مسؤولية إلغاء عرض موسيقي على حَمْل الممثلة أودرا مكدونالد. وبمقدوره أن يكون قاسياً؛ فعندما أبلغته الممثلة ريتا ويلسون التي كانت تؤدي دور البطولة في إحدى مسرحياته، بأنها مصابة بسرطان الثدي، أعرب عن أسفه لأن عليها التوقف عن العمل في أثناء موسم التصويت على جائزة «توني» المرموقة للعروض المسرحية.
«إنه مثل زعيم المافيا. إذا كُسِرت ساقه، فعلى الآخرين معاناة الألم»، قال الكاتب المسرحي آدم راب الذي ألغى سكوت رودين إحدى مسرحياته بطريقة فظة عندما رفض قطع العلاقة مع وكيل كان في نزاع معه.
الآن، يبدو أن المنتج ذا الـ62 عاماً يواجه يوم الحساب. فقد أثار مقال نشرته مجلة «هوليوود ريبورتر» هذا الشهر ضجةً بتفصيل تاريخه الطويل في التنمر على المساعدين، ما قاد سكوت رودين إلى إعلان استنكافه عن «المشاركة النشطة» في مشاريعه في برودواي وهوليوود ومسارح ويست إند بلندن. وفي ردٍّ مكتوب على أسئلة هذا المقال، قال إنه يشعر بـ«عميق الأسف» لسلوكه، وكشف أنه سيستقيل من رابطة «برودواي» التي تُعنى بالمنتجين وملّاك المسارح.
وقال: «أعلم أن الاعتذار ليس كافياً بأي حال. أنا عازم على إيجاد حل لمشكلاتي بالاستنكاف، وأدرك تماماً أن كثيرين سيشعرون بأن هذا قليل جداً ومتأخر جداً».
طوال عقود، فلَتَ سكوت رودين إلى حد بعيد من تبعات سلوكه. توافد عليه الفنانون، كبيرهم وصغيرهم، جزئياً بسبب شهيته للأعمال الفنية الطموحة (التي غالباً كانت تحصد الجوائز). كثيرون ممن تضرروا من سخطه كانوا يخشون الانتقام إنْ جاهروا بذلك.
النبرة، الأسلوب، الصوت
-
هل اختيار الكلمات والتفاصيل المساعدة/الداعمة يضفي قِواماً Texture وجوّاِ مميزاً للقصة؟
-
هل النبرة متسقة (ساخرة، فكاهية، رسمية، غير رسمية، إلخ)؟ هل هي مناسبة للقارئ المقصود؟
-
هل «صوت السرد» Narrative Voice لديه قوة إقناع؟ هل يتدفق بسهولة؟ هل يأسر خيال القارئ؟
-
هل هناك انتقالات غير مناسبة في النبرة أو الأسلوب أو الصوت؟
-
تحقق من عدم وجود أخطاء في الأسلوب مثل الإسهاب، والحشو، والكتابة المنمقة، أو المذيلة بالحواشي.
«النبرة» و«الأسلوب» و«الصوت» هي قلب الكتابة الجيدة وروحها ونَفَسُها.
اختيار التفاصيل، وانتقاء الكلمات، والوتيرة والإيقاع، وأسلوب السرد، كل هذه العناصر مجتمعة تتضافر لتضفي قِوامَاً، وجوّاً، وقوة إقناع، وأصالة، على قصتك.
فهي تجعل الشخصيات في قصتك مركبة، وتمنح القارئ الإشباع العاطفي، وترسم حبكة مقنعة.
استخدم الأسئلة في هذا القسم بعين عقلك.
