top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تفعل «إنّ» فعل السحر؟

مريد البرغوثي
مريد البرغوثي

حين وصل الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي إلى جسر «اللنبي» — الجسر الذي يفصل الضفة الغربية عن الأردن، والذي ظل لعقود بوابة العبور الوحيدة للفلسطينيين — بعد ثلاثين عاماً من الغربة، لم يقل ما يقوله الناس في لحظات العودة. لم يصف الشوق، ولم يصف الدموع. قال:

«إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار».

وفي نهاية المقطع، بعد محاكمة طويلة، يقول:

«إنني لا أسامحك، وأنت لا تسامحني».

شيء ما في هاتين الجملتين يجعلهما تجيئان بثقل غير عادي. ليس المعنى وحده؛ فالمعنى واضح. وليس الصورة؛ فلا صورة هنا. الثقل يأتي من الحرف الصغير الذي يفتح كل جملة: «إنّ».


قبل أكثر من تسعة قرون، انشغل عبد القاهر الجرجاني بسؤال: ما الذي تفعله «إنّ» في الجملة العربية؟ وقد أجاب إجابة من لا يرضى بالسطح. لم يقل فحسب إنها للتوكيد؛ هذا ما يقوله أي نحوي. بل ذهب إلى ما تصنعه فعلاً حين تدخل على الجملة وحين تُحذف منها. يقول:

«هل شيء أبيَن في الفائدة من أنك ترى الجملة إذا هي [أي «إنّ»] دخلت ترتبط بما قبلها وتأتلف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أُفرغا إفراغاً واحداً؟ ثم إذا جئت إلى «إنّ» فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبا عن الأول وجفا معناه عن معناه».

هذه ليست قاعدة؛ إنها دهشة. الجرجاني لا يُعرّف «إنّ»، بل يجري عليها تجربة: أسقطها، وانظر ماذا يبقى.

ومن هذه الدهشة يستخرج الجرجاني ستة أغراض لـ«إنّ»، لا يراها النحو التقليدي.


أولها الربط «أنفقتُ في سبيل الله؛ إنّ الله يحب المنفقين». الجملتان كيان واحد، الأولى سبب والثانية تعليل. احذف «إنّ» وستجد الثانية قد انفصلت عن الأولى وجفت عنها كأنها جاءت من نص آخر.


وثانيها تحسين ضمير الشأن ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. «الهاء» في «إِنَّهُ» ضمير مبهم لا يعود على شيء سبق، و«إنّ» هي التي تمنحه قوته وتهيئ النفس لما يأتي بعده. احذف «إِنَّهُ» وقل «هو من يتق» بدلاً منها وستحس بالكلام قد خفت وفقد توتره.


وثالثها تهيئة النكرة للإخبار عنها «إنّ رجلاً من أصحابنا فعل ذلك». النكرة لا يُبتدأ بها في العربية عادةً، لكن «إنّ» تمنحها مكانة المبتدأ وتجعلها قابلة للإخبار عنها. احذفها وستجد الجملة قد ترنحت.


ورابعها الإغناء عن الخبر المحذوف «إنّ مالاً وإنّ ولداً». الخبر غائب، لكن الجملة مكتفية بذاتها. احذف «إنّ» وقل «مالٌ وولدٌ» وستجد أنك لم تقل شيئاً.


وخامسها دفع ظنٍّ خاطئ في ذهن السامع، حين تقول لمن أحسنت إليه فخذلك: «إنه كان من الأمر ما ترى». «إنّ» تؤكد أن ما حدث واقعة لا مراء فيها وإن بدت مفاجئة. هي تدفع ظنّك أنت قبل ظنّ السامع.


وسادسها التهكم «جاء شقيقٌ عارضاً رمحَهُ … إنّ بني عمَّك فيهم رماحُ». الشاعر يُصدّق ساخراً ظن شقيق بأنه لا منازع له. «إنّ» لا تؤكد حقيقة، تؤكد ادعاءً مستحيلاً كي تُظهر سخافته.


ستة أغراض، وكلها تقوم على تجربة واحدة: أسقط «إنّ»، وانظر ما يتبقى. ما يتبقى دائماً أضعف مما كان.


لكن نص البرغوثي يفتح غرضاً سابعاً لم يذكره الجرجاني. الجرجاني تحدث عن «إنّ» مع الإثبات دائماً؛ تؤكد ما هو موجود، أو تدفع ظناً خاطئاً بشيء واقع. لكن في «رأيت رام الله» لمريد البرغوثي «إنّ» تدخل على النفي المطلق: «إنني لا أشكرك»، «إنني لا أسامحك». وهذا يختلف اختلافاً جوهرياً. حين تقول «لا أشكرك» تنفي. لكن حين تقول «إنني لا أشكرك» تُحكم إغلاق الباب. والباب الذي يُغلق ليس في وجه الجسر — الجسر لا يسمع — بل في وجه القارئ الذي قد يظن أن ثلاثين عاماً كافية للمصالحة. «إنّ» تغلق هذا الاحتمال قبل أن يُفتح. وحين تُسقطها من الجملتين يظهر الفرق: «لا أشكرك» و«لا أسامحك» نفيان. لكن «إنني لا أشكرك» و«إنني لا أسامحك» إعلانان أمام شاهد. والشاهد هو القارئ.


مقتطف من رواية رأيت رام الله مريد البرغوثي

وهذا هو قلب ما يصنعه هذا المقطع كله. البرغوثي يخاطب الجسر لكنه لا يتوقع جواباً. الخطاب أداة لا هدف. والقارئ يجلس في المنتصف شاهداً على محاكمة لن تُحسم:


أخيراً! ها أنا أمشي بحقيبتي الصغيرة على الجسر، الذي لا يزيد طوله عن بضعة أمتار من الخشب، وثلاثين عاماً من الغربة.
كيف استطاعت هذه القطعة الخشبية الداكنة أن تُقصي أمّة بأكملها عن أحلامها؟ أن تمنع أجيالاً بأكملها من تناول قهوتها في بيوت كانت لها؟
كيف رمتنا إلى كل هذا الصبر وكل ذلك الموت؟ كيف استطاعت أن توزّعنا على المنافي والخيام وأحزاب الوشوشة الخائفة؟
إنني لا أشكرك أيها الجسر القليل الشأن والأمتار. لستَ بحراً ولستَ محيطاً حتى نلتمس في أهوالك أعذاراً. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة حتى نستدعي الغرائز والوقاية دونك. كنت سأشكرك، أيها الجسر، لو كنت على كوكب غير هذا، وعلى بقعة لا تصل إليها المرسيدس القديمة في ثلاثين دقيقة. كنت سأشكرك، لو كنت من صنع البراكين، ورعبها البرتقالي السميك. لكنك من صنع نجارين تعساء، يضعون المسامير في زوايا الشفاه، والسيجارة على الأذن. لا أقول لك شكراً أيها الجسر الصغير. هل أخجل منك؟ أم تخجل مني؟ أيها الغريب كنجوم الشاعر الساذج، أيها البعيد كخطوة المشلول. أي حَرَج هذا؟ إنني لا أسامحك، وأنت لا تسامحني.
صوت الأخشاب تحت قدميّ.
فيروز تسمّيه جسر العودة. الأردنيون يسمّونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسمّيه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمّونه جسر اللّنبي. أمي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال يسمّونه ببساطة: الجسر.

وبنية المحاكمة نفسها تعمل بآلية لغوية محددة:

«لستَ بحراً ولستَ محيطاً حتى نلتمس في أهوالك أعذاراً. لست سلسلة جبال تسكنها ضواري البر وغيلان الخرافة»

ثلاث جمل نافية متتالية، لكنها ليست وصفاً. هي رفض أعذار لم تُقَل. البرغوثي يدفع دفاعاً مُتخيَّلاً، كأن الجسر كان سيحتج: أنا بحر، أنا جبل. ويُسقط هذه الحجج قبل أن تُرفع. ثم ينقلب الإيقاع:

«كنت سأشكرك، أيها الجسر، لو كنت على كوكب غير هذا. كنت سأشكرك، لو كنت من صنع البراكين».

تكرار «كنت سأشكرك» مرتين يصنع إيقاع المرافعة: أثبت أنك تعرف الشكر، ثم اسحبه. حتى تأتي الضربة الأخيرة:

«لكنك من صنع نجارين تعساء، يضعون المسامير في زوايا الشفاه، والسيجارة على الأذن».

النزول من المجرد إلى المحسوس الدقيق «يضعون المسامير في زوايا الشفاه، السيجارة على الأذن» هو ما يجعل الجملة أشد تأثيراً. الجسر الذي أقصى أمّة بأكملها بناه رجل يضع المسمار في زاوية شفتيه والسيجارة على أذنه. الفجوة بين الأثر والسبب هي مصدر الألم، ولا يحتاج البرغوثي إلى أن يقولها.


ثم يتوقف كل شيء:

«صوت الأخشاب تحت قدميّ».

جملة واحدة بلا فعل ولا حكم ولا خطاب. الجسر لا يُجيب بكلام، صرير فحسب. وهذا الصوت الصغير يجري بعد كل تلك المحاكمة الكبيرة كالسكوت الذي يُفحم.


وتأتي النهاية لتقول ما لم يستطع الخطاب كله قوله:

«فيروز تسميّه جسر العودة. الأردنيون يسمّونه جسر الملك حسين. السلطة الفلسطينية تسميّه معبر الكرامة. عامة الناس وسائقو الباصات والتكسي يسمّونه جسر اللّنبي. أمي وقبلها جدتي وأبي وامرأة عمي أم طلال يسمونه ببساطة: الجسر».

التدرج من الأسماء الرسمية الكبيرة إلى «الجسر» وحده هو الحكم الأعمق في النص. كل الأسماء الرسمية تحمل أيديولوجيا أو سياسة أو غرضاً. لكن «الجسر» بلا صفة ولا إضافة هو الاسم الحقيقي؛ الاسم الذي تستخدمه الأم والجدة لأنهما لا تحتاجان إلى وصف ما هو واضح.


وهذا هو ما يفعله البرغوثي طوال النص؛ يُزيل الطبقات حتى يصل إلى الشيء نفسه، بلا أعذار ولا أسماء كبيرة. مجرد جسر صغير، وثلاثون عاماً.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page