كيف تكتب بشغف؟
- رشاد عبد القادر

- 6 نوفمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 11 نوفمبر 2025


لعلّ هذه الجملة هي الأشهر التي ميّزت ما يُعرف في أمريكا بــ«جيل بِيْتْ» (Beat Generation، وقد كتبها جاك كرواك في روايته «على الطريق» بوصفها ثورةً لغويةً وجماليةً غيّرت مسار الأدب الأمريكي الحديث.
رفض كيرواك الأسلوب المصقول الخاضع لقواعد النحو والبلاغة الأكاديمية، وسعى إلى كتابةٍ حيّةٍ عفويةٍ تنبض بإيقاع الحياة نفسها، وتشبه في انسيابها الارتجالَ الموسيقي في «الجاز»، ولا سيما في أسلوب الـ«بيبوب» (Bebop) الذي تطوّر في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، ويقوم على التدفق السريع، والإيقاع المتقطّع، والارتجال.
الأشخاص الحقيقيّون بالنسبة إليّ هم المجانين، أولئك الذين يعيشون بجنون، يتحدّثون بجنون، يريدون الخلاص بجنون، التوّاقون إلى كلّ شيءٍ في آنٍ واحد، أولئك الذين لا يتثاءبون أبداً، أو يتفوّهون بكلامٍ مبتذل، بل يشتعلون، يشتعلون، يشتعلون مثل مفرقعاتٍ رومانيةٍ صفراءَ مذهلةٍ تنفجر كأنّها عناكبُ عبر النجوم، وترى الوهجَ الأزرقَ يفقعُ في المنتصف، فيصيح الجميع: «آآآه!».
“The only people for me are the mad ones, the ones who are mad to live, mad to talk, mad to be saved, desirous of everything at the same time, the ones who never yawn or say a commonplace thing, but burn, burn, burn, like fabulous yellow roman candles exploding like spiders across the stars and in the middle you see the blue centerlight pop and everybody goes 'Awww!'”
في هذه الجملة الطويلة لا ينقل كيرواك المعلومات فحسب، بل ينقل إحساساً. جملةٌ واحدةٌ تنتفض بالشغف ذاته الذي تصفه، وإذا قرأتها بصوتٍ عالٍ، فستلهث تقريباً، لأنه لا توجد أدواتُ عطفٍ أو فواصلُ تتيح لك التقاط النفس.
لم يكن كيرواك يكتب بالطريقة التقليدية التي تُدرَّس في المدارس؛ كان يؤمن بما أسماه «النثر التلقائي»؛ الكتابة المتدفّقة دون توقّف، دون تحرير، دون قيود. كانت فلسفته بسيطة: دع الكلمات تتدفّق كما تتدفّق الأفكار، لا تقيّدها بقواعد النحو أو علامات الترقيم أو التنظيم المنطقي. أراد أن يلتقط اللحظة الحيّة، النابضة، الخام، كما يلتقطها عازف الجاز في موسيقاه، بتلقائيةٍ وحرّيةٍ وشغف. لذلك تجد جمله طويلةً، متعرّجةً، تنساب كنهرٍ لا يتوقّف، مليئةً بالتكرار والمبالغات والصور الجامحة التي تنقلك مباشرةً إلى قلب التجربة.
يستخدم كيرواك التكرار ليرفع جرعة الشغف: «بجنون، بجنون، بجنون»، ثم «يشتعلون، يشتعلون، يشتعلون». هذه الكلمات المتتابعة تعمل كدفقةِ سرعةٍ داخل الفقرة، تدفع القارئ والنصّ معاً إلى الأمام.
ثم يستخدم «المبالغة»؛ المبالغة الشديدة التي لا يمكن لأحد أن يخطئها مع الواقع. كيرواك يعرف أن الأشخاص الذين يتحدّث عنهم، مثلهم مثل البشر، يتثاءبون، ويقولون أحياناً كلاماً مبتذلاً، ولا ينفجرون كالعناكب عبر النجوم. لكنّ هذه المبالغة، وهذا التطرّف، يرسمان مشهداً حيوياً مبهجاً، وإحساساً يفيض بالشغف، يكسر القواعد وأعراف بناء الجملة.
هذا الأسلوب لم يكن مجرّد تجربةٍ أدبية، بل كان بياناً ثقافياً وسياسياً أيضاً. كان كيرواك يقاوم العالم المحافظ الذي عاش فيه؛ أمريكا الخمسينيات بنظامها الصارم وقيمها التقليدية وتوقّعاتها الاجتماعية الخانقة. أراد أن يُحرّر الكتابة من قيودها، تماماً كما أراد أن يُحرّر نفسه وجيله من قيود المجتمع. لغته المتمرّدة كانت انعكاساً لحياته المتمرّدة. في جملته هذه، لا يصف كيرواك شخصياتٍ خيالية، بل يصف فلسفةً في الحياة والكتابة؛ فلسفةً ترفض الاعتدال، وتحتفي بالشدة والحرارة والصدق الخام، حتى لو كان ذلك يعني كسر كلّ القواعد.
يُذكر أنّ كيرواك كتب المسوّدة الأولى لروايته الشهيرة «على الطريق» (On the Road) في ربيع عام 1951، خلال فترة حُمّى إبداعية استمرّت نحو ثلاثة أسابيع فقط. ولأنه لم يكن يريد أن يتوقّف عن الكتابة لتبديل أوراق الآلة الكاتبة، قام بلصق أوراقٍ طويلةٍ من ورق الطباعة معاً لتصبح لفافةً واحدةً متصلةً بطولٍ يقارب 36 متراً — أي ما يعادل تقريباً نصف طول ملعب كرة قدم أمريكية.
كان هدفه أن يكتب «بنفَسٍ واحد» دون انقطاع، كما يعزف موسيقيّ الجاز ارتجاله دون توقّف. لم يستخدم فواصلَ فقراتٍ أو علاماتِ ترقيمٍ كثيرة، بل ترك تدفّق اللغة والإيقاع يوجّهان النصّ.
لاحقاً، أصبحت هذه اللفافة (scroll) قطعةً أسطورية، تُعرض اليوم في متحف لويل بولاية ماساتشوستس — مسقطِ رأس كيرواك — وتُعدّ رمزاً لروح النثر التلقائي الذي ابتكره، وللفكرة الجوهرية لحركة «جيل بيت»: الكتابة كفعلٍ حرّ، صادق، ومتّقدٍ بالحياة.
إذاً، عندما تريد أن تكتب بشغفٍ، انسَ القواعد. مزّق الأعراف. دع مشاعرك تنطلق جامحة. وهذا ليس إلّا ملمحاً واحداً ممّا جعل هذه الجملة شهيرةً إلى هذا الحدّ.






