top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تكتب بشغف؟

تاريخ التحديث: 11 نوفمبر 2025

جاك كيرواك
جاك كيرواك
تحليل مقطع من رواية على الطريق من تأليف جاك كيرواك


لعلّ هذه الجملة هي الأشهر التي ميّزت ما يُعرف في أمريكا بــ«جيل بِيْتْ» (Beat Generation، وقد كتبها جاك كرواك في روايته «على الطريق» بوصفها ثورةً لغويةً وجماليةً غيّرت مسار الأدب الأمريكي الحديث.


رفض كيرواك الأسلوب المصقول الخاضع لقواعد النحو والبلاغة الأكاديمية، وسعى إلى كتابةٍ حيّةٍ عفويةٍ تنبض بإيقاع الحياة نفسها، وتشبه في انسيابها الارتجالَ الموسيقي في «الجاز»، ولا سيما في أسلوب الـ«بيبوب» (Bebop) الذي تطوّر في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، ويقوم على التدفق السريع، والإيقاع المتقطّع، والارتجال.


الأشخاص الحقيقيّون بالنسبة إليّ هم المجانين، أولئك الذين يعيشون بجنون، يتحدّثون بجنون، يريدون الخلاص بجنون، التوّاقون إلى كلّ شيءٍ في آنٍ واحد، أولئك الذين لا يتثاءبون أبداً، أو يتفوّهون بكلامٍ مبتذل، بل يشتعلون، يشتعلون، يشتعلون مثل مفرقعاتٍ رومانيةٍ صفراءَ مذهلةٍ تنفجر كأنّها عناكبُ عبر النجوم، وترى الوهجَ الأزرقَ يفقعُ في المنتصف، فيصيح الجميع: «آآآه!».
“The only people for me are the mad ones, the ones who are mad to live, mad to talk, mad to be saved, desirous of everything at the same time, the ones who never yawn or say a commonplace thing, but burn, burn, burn, like fabulous yellow roman candles exploding like spiders across the stars and in the middle you see the blue centerlight pop and everybody goes 'Awww!'”

في هذه الجملة الطويلة لا ينقل كيرواك المعلومات فحسب، بل ينقل إحساساً. جملةٌ واحدةٌ تنتفض بالشغف ذاته الذي تصفه، وإذا قرأتها بصوتٍ عالٍ، فستلهث تقريباً، لأنه لا توجد أدواتُ عطفٍ أو فواصلُ تتيح لك التقاط النفس.


لم يكن كيرواك يكتب بالطريقة التقليدية التي تُدرَّس في المدارس؛ كان يؤمن بما أسماه «النثر التلقائي»؛ الكتابة المتدفّقة دون توقّف، دون تحرير، دون قيود. كانت فلسفته بسيطة: دع الكلمات تتدفّق كما تتدفّق الأفكار، لا تقيّدها بقواعد النحو أو علامات الترقيم أو التنظيم المنطقي. أراد أن يلتقط اللحظة الحيّة، النابضة، الخام، كما يلتقطها عازف الجاز في موسيقاه، بتلقائيةٍ وحرّيةٍ وشغف. لذلك تجد جمله طويلةً، متعرّجةً، تنساب كنهرٍ لا يتوقّف، مليئةً بالتكرار والمبالغات والصور الجامحة التي تنقلك مباشرةً إلى قلب التجربة.


يستخدم كيرواك التكرار ليرفع جرعة الشغف: «بجنون، بجنون، بجنون»، ثم «يشتعلون، يشتعلون، يشتعلون». هذه الكلمات المتتابعة تعمل كدفقةِ سرعةٍ داخل الفقرة، تدفع القارئ والنصّ معاً إلى الأمام.


ثم يستخدم «المبالغة»؛ المبالغة الشديدة التي لا يمكن لأحد أن يخطئها مع الواقع. كيرواك يعرف أن الأشخاص الذين يتحدّث عنهم، مثلهم مثل البشر، يتثاءبون، ويقولون أحياناً كلاماً مبتذلاً، ولا ينفجرون كالعناكب عبر النجوم. لكنّ هذه المبالغة، وهذا التطرّف، يرسمان مشهداً حيوياً مبهجاً، وإحساساً يفيض بالشغف، يكسر القواعد وأعراف بناء الجملة.


هذا الأسلوب لم يكن مجرّد تجربةٍ أدبية، بل كان بياناً ثقافياً وسياسياً أيضاً. كان كيرواك يقاوم العالم المحافظ الذي عاش فيه؛ أمريكا الخمسينيات بنظامها الصارم وقيمها التقليدية وتوقّعاتها الاجتماعية الخانقة. أراد أن يُحرّر الكتابة من قيودها، تماماً كما أراد أن يُحرّر نفسه وجيله من قيود المجتمع. لغته المتمرّدة كانت انعكاساً لحياته المتمرّدة. في جملته هذه، لا يصف كيرواك شخصياتٍ خيالية، بل يصف فلسفةً في الحياة والكتابة؛ فلسفةً ترفض الاعتدال، وتحتفي بالشدة والحرارة والصدق الخام، حتى لو كان ذلك يعني كسر كلّ القواعد.


يُذكر أنّ كيرواك كتب المسوّدة الأولى لروايته الشهيرة «على الطريق» (On the Road) في ربيع عام 1951، خلال فترة حُمّى إبداعية استمرّت نحو ثلاثة أسابيع فقط. ولأنه لم يكن يريد أن يتوقّف عن الكتابة لتبديل أوراق الآلة الكاتبة، قام بلصق أوراقٍ طويلةٍ من ورق الطباعة معاً لتصبح لفافةً واحدةً متصلةً بطولٍ يقارب 36 متراً — أي ما يعادل تقريباً نصف طول ملعب كرة قدم أمريكية.


كان هدفه أن يكتب «بنفَسٍ واحد» دون انقطاع، كما يعزف موسيقيّ الجاز ارتجاله دون توقّف. لم يستخدم فواصلَ فقراتٍ أو علاماتِ ترقيمٍ كثيرة، بل ترك تدفّق اللغة والإيقاع يوجّهان النصّ.


لاحقاً، أصبحت هذه اللفافة (scroll) قطعةً أسطورية، تُعرض اليوم في متحف لويل بولاية ماساتشوستس — مسقطِ رأس كيرواك — وتُعدّ رمزاً لروح النثر التلقائي الذي ابتكره، وللفكرة الجوهرية لحركة «جيل بيت»: الكتابة كفعلٍ حرّ، صادق، ومتّقدٍ بالحياة.


إذاً، عندما تريد أن تكتب بشغفٍ، انسَ القواعد. مزّق الأعراف. دع مشاعرك تنطلق جامحة. وهذا ليس إلّا ملمحاً واحداً ممّا جعل هذه الجملة شهيرةً إلى هذا الحدّ.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page