top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تكتب عن الذاكرة والنسيان؟

تاريخ التحديث: 2 يناير

كريستوفر هامبتون
كريستوفر هامبتون
تحليل مشهد من فيلم Imagining Argentina

عندما قرر المخرج والسيناريست كريستوفر هامبتون تحويل رواية Imagining Argentina للكاتب لورانس ثورنتون (1987) إلى فيلم عام (2003)، كان يواجه؛ على الأرجح، تحدّياً أساسياً: كيف يخرج من عباءة الروائي إلى عباءة السينمائي؟


اللغة بطبيعتها الأصلية تصويرية؛ في عالم المحسوسات، لم يخترع البشر اللغة للتحدث عن المفاهيم، إنما لوصف التحديات اليومية التي تواجههم، وتوسّعت فيما بعد إلى المفاهيم، في عالم المجردات.


فاللغة، في أحد أصولها على الأقل، لغةٌ تصويرية. ففي عالم المحسوسات، استُخدمت اللغة أولاً لوصف التحديات اليومية التي يواجهها البشر، قبل أن تتوسّع، لاحقاً، لتشمل المفاهيم في عالم المجرّدات.


إلّا أن هامبتون بمِرانه وخبرته؛ وقد سبق أن حصل على جوائز «أوسكار» و«بافتا» عن تحويله Dangerous Liaisons وAtonement إلى سيناريو أفلام، يُعدّ أحد أبرز من نقلوا الروايات الأخلاقية المعقّدة إلى الشاشة. وما يميّز عمله هو انشغاله الدائم بأسئلة: الذنب، الذاكرة، المسؤولية، وما الذي تفعله السلطة باللغة والوعي.


يفتتح هامبتون الفيلم بمونولوج يهمن على الفيلم كلّه، ويستدعي فيه الأدب والأسطورة؛ لا للزينة، بل بوصفهما أداتين لغويتين تؤدّيان وظيفة أخلاقية مباشرة. فافتتاح الفيلم بأسطورة أورفيوس لا يهيّئ لمأساة رومانسية، بقدر ما يفتح باب مساءلة سياسية عميقة: ماذا يعني أن يُطلب من مجتمعٍ كامل ألّا ينظر إلى الوراء؟


تجري أحداث الفيلم في الأرجنتين بين عامي 1976 و1983، خلال سنوات الحكم العسكري. بطل الفيلم، كارلوس رويدا (أنتونيو بانديراس)، مخرج مسرحي يكتشف امتلاكه قدرة استثنائية: عبر تخيّل مشاهد على خشبة المسرح، يستطيع أن يرى مصاير أشخاص اختفوا قسراً. وحين تُختطف زوجته سيسيليا (إيما تومسن)، تتحوّل هذه القدرة من استعارة فنية إلى محاولة لمقاومة النسيان، ومن فعل تخيّل إلى بحثٍ عن الحقيقة:

عندما أعاد أورفيوس زوجته من العالم السفلي، من الجحيم، قيل له إنّ عليه ألّا يلتفت إليها، مهما حدث. لكنّه، في النهاية، لم يستطع مقاومة صوتها وهي تناديه. فالتفت، وهكذا خسرها إلى الأبد.
في ظلّ الديكتاتورية العسكرية التي انهارت عام 1983 هنا في الأرجنتين، قيل لنا إنّ علينا ألّا ننظر إلى الوراء أبداً. نعم، كان هناك ظلمٌ؛ نعم، ارتُكِبت أخطاءٌ؛ لكن، إذا نظرنا إلى الوراء، فلن ينتهي الألم أبداً. الجراح لن تبرأ.
كان الجنرالات قد غيّروا بالفعل معنى كلمة «الاختفاء». قبلهم كانت الأشياء تختفي. كانت الناس تختفي. أمّا هم، فقد جعلوا البشر يختفون. كانوا يتحدّثون عن إخفاء الناس، وعن إخفاء أعدائهم. لقد غيّروا اللغة، وهم الآن يريدون أن يُخفوا الماضي نفسه.
قالوا لنا إنّ علينا ألّا ننظر إلى الوراء أبداً. لكنّ علينا أن ننظر إلى الوراء. إنه واجبُنا المقدّس أنْ ننظر إلى الوراء.

When Orpheus brought his wife back from the underworld, from hell, he was told he must not look back at her, whatever happened. But at last he could not resist the sound of her voice calling his name. He turned back, and so he lost her forever.
In the military dictatorship, failing in 1983 here in Argentina, we were told that we should never look back. Yes, there was injustice; yes, mistakes were made; but if we looked back, the pain would never end. The wounds would never heal. The generals had already changed the meaning of the word “to disappear”. Before them, things disappeared. People disappeared. They spoke of disappearing people, disappearing their enemies. They had changed the language, but now they want to disappear the past. They told us we must never look back, but we have to look back. It is our sacred duty to look back.

بنى هامبتون نصه على حركة لغوية واضحة، يمكن تتبّعها من خلال تغيّر الصيغة والإيقاع ووظيفة الجملة، لا من خلال تغيّر الموضوع وحده. فمنذ الجملة الأولى، لا يقدّم النص معنىً جاهزاً، بل يقيم نموذجاً لغوياً يبدأ بفضاء الأسطورة. حكاية أورفيوس تُروى بجملة طويلة نسبياً، إيقاعها هادئ، قائم على أفعال ماضية مكتملة، تقود القارئ بسلاسة نحو خاتمة محسومة. غير أن العنصر الأهم في هذه الجملة ليس الحدث، بل الصيغة: «قيل له». الفعل المبنيّ للمجهول، الأمر صادر عن مصدر غير مُسمّى، والطاعة تُقدَّم بوصفها شرطاً سابقاً للفعل. هكذا تُزرع، منذ السطر الأول، بنية الأمر والطاعة داخل اللغة نفسها، قبل أن نغادر عالم الأسطورة.

قيل له إنّ عليه ألّا يلتفت إليها، مهما حدث.


وحين ينتقل إلى الواقع الأرجنتيني، لا يبدّل بنية النص اللغوية. الجمل الجديدة تُصاغ بالطريقة ذاتها: «قيل لنا». الفعل نفسه، الصيغة نفسها، الاختلاف الوحيد هو الضمير. ما كان يُقال لشخص واحد في الأسطورة، يُقال الآن لجماعة كاملة في التاريخ. بهذا التوازي، لا يشرح النص فكرته، بل ينقل البنية اللغوية نفسها من حقل إلى آخر، من الخيال/الأسطورة إلى الواقع، من الفرد إلى المجتمع.

قيل لنا إنّ علينا ألّا ننظر إلى الوراء أبداً.

في هذا القسم، تبدأ الجمل التي تبدو اعترافية في الظهور أيضاً:

نعم، كان هناك ظلم؛ نعم، ارتُكِبت أخطاء.

غير أن هذا الاعتراف يُصاغ بطريقة تُفرغه من فاعله. الظلم موجود، لكن من دون فاعل. الأخطاء ارتُكبت، لكن من دون مسؤول. ثم تأتي أداة الاستدراك «لكن» لتلغي كل ما سبقها، وتُدخل جملة شرطية تحمل تهديداً مبطّناً:

إذا نظرنا إلى الوراء، فلن ينتهي الألم.

هنا تتحوّل اللغة من توصيف الماضي إلى تسويغ الصمت عنه. وتأتي الجملة القصيرة التالية:

الجراح لن تبرأ.

لتُقدَّم بوصفها حقيقة طبيعية، شبه طبية، لا رأياً سياسياً قابلاً للنقاش.


يتكثّف الاشتغال اللغوي أكثر في الفقرة التالية. فالجمل قصيرة، متوازية، والفارق بينها فارق نحوي دقيق ينتج فارقاً أخلاقياً كاملاً:

كانت الأشياء تختفي.

فعل لازم، بلا فاعل واضح يقوم بفعل الإخفاء.

كانت الناس تختفي.

تكرار يوسّع الدائرة. ثم تأتي الجملة الحاسمة:

أمّا هم، فقد جعلوا البشر يختفون.

هنا يظهر الفاعل للمرة الأولى، ويظهر معه الفعل المتعدّي: «جعلوا». الجريمة لا تُسمّى صراحة، لكنها تُبنى لغوياً. وحين يقول النص بعد ذلك إنهم «غيّروا اللغة»، ويريدون الآن «أن يُخفوا الماضي نفسه»، يصبح واضحاً أن المعركة لم تعد على الوقائع وحدها، بل على إمكان تسميتها، وعلى الذاكرة بوصفها وظيفة لغوية قبل أن تكون موقفاً أخلاقياً.


في الفقرة الأخيرة، لا تتغيّر المفردات، بل يتغيّر اتجاهها. العبارة نفسها تتكرّر:

قالوا لنا إنّ علينا ألّا ننظر إلى الوراء أبداً.

ثم تنقلب علامتها:

لكنّ علينا أن ننظر إلى الوراء.

التكرار هنا ليس زخرفاً، بل أداة إعادة برمجة. اللغة التي كانت أداة أمر، تتحوّل إلى أداة نفي، ثم إلى أداة إلزام ذاتي. ومع الجملة الأخيرة:

إنه واجبنا المقدّس أن ننظر إلى الوراء.

تبلغ اللغة ذروتها. لم يعد الأمر سياسياً فقط، بل صار قيمياً، أخلاقياً، محمّلاً بسلطة ليست سياسة، بل سلطة من نوع آخر؛ سلطة الحق والضمير.


بهذا المعنى، لا يقول النص إن التذكّر واجب، ولا يعلن ذلك بوصفه فكرة. إنه يبني هذا الواجب داخل اللغة نفسها، عبر المبني للمجهول، والتوازي، والتكرار، وقصر الجمل في اللحظات الحاسمة. ومن خلال هذا البناء، يتحوّل النظر إلى الوراء من فعل محرَّم إلى شرط للتمييز بين الحقيقة والخيال، وتتحوّل اللغة من أداة طاعة إلى أداة مساءلة.


الفيلم ليس فيلماً عن الماضي، بل عن الخطر الذي يتهدّد أي مجتمع يُطالَب بالنسيان باسم الاستقرار. إنه تذكير بأن النظر إلى الوراء ليس عجزاً، بل الشرط الأول للتمييز بين الحق والباطل.


وسبق أن قالت حنّة آرنت في كتابها «أسس التوتاليتارية» (1951):

الإنسان المثالي الذي يفضّله الحكم الشمولي ليس النازيَّ المقتنع بنازيته ولا الشيوعيَّ المقتنع بشيوعيته، بل الإنسان الذي لم يعد يميّز بين الحقيقة والخيال.
The ideal subject of totalitarian rule is not the convinced Nazi or the convinced Communist, but people for whom the distinction between fact and fiction no longer exists.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page