top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تجعل الجملة تشي بالجنون؟ درس من إدغار آلان بو

تاريخ التحديث: قبل 6 ساعات

إدغار آلان بو
إدغار آلان بو

من السهل أن تكتب عن شخصٍ مجنون. ومن الصعب أن تجعل الجملة نفسها تبدو كأنها فقدت اتزانها.

كثير من الكتّاب حين يريدون تصوير الجنون يذهبون إلى الكلمات المباشرة: كان مضطرباً. كان مهووساً. كان يسمع أصواتاً. كان عقله ينهار.


لكن إدغار آلان بو في افتتاحية قصته الشهيرة «القلب الواشي» لا يكتفي بأن يخبرنا عن اضطراب الراوي. إنه يجعل اضطرابه يتسرب إلى الجملة نفسها: إلى ترتيبها، وتكرارها، وانقطاعاتها، وعلامات ترقيمها، وطريقتها العصبية في الدفاع عن نفسها.


و«القلب الواشي» واحدة من أشهر قصص بو القصيرة، نُشرت أول مرة في يناير/كانون الثاني 1843 في مجلة The Pioneer، ثم أعاد بو نشرها بصيغة منقحة قليلًا في The Broadway Journal عام 1845. حبكتها بسيطة ومخيفة: راوٍ مجهول يحاول منذ الجملة الأولى أن يثبت أنه ليس مجنوناً، ثم يروي كيف قتل رجلاً عجوزاً لا يكرهه ولا يطمع في ماله، بل لأن عينه الزرقاء الشاحبة — التي يشبّهها بعين نسر — كانت تطارده وتثير رعبه. يراقبه سبع ليالٍ، ثم يقتله في الليلة الثامنة، يقطّع الجثة ويخفيها تحت ألواح الأرض. وحين تأتي الشرطة، يكاد ينجو، لكنه يسمع دقات قلب تتصاعد في أذنه، فيظن أنها قلب القتيل المدفون، ثم ينهار ويعترف. ومن المعلومات اللافتة عن القصة أن بو لا يذكر اسم الراوي ولا جنسه ولا علاقته الدقيقة بالعجوز، ولذلك ظلّ النقاد يتساءلون: هل العجوز أب؟ مالك بيت؟ سيد؟ وهل الراوي رجل أصلًا؟ كما أن القلب الذي يسمعه في النهاية قد يكون صوت ذنب الراوي نفسه وقد تحوّل إلى هلوسة سمعية. لذلك لا تكمن قوة القصة في جريمة القتل وحدها، بل في المفارقة الكبرى: الراوي يريد أن يبرهن على سلامة عقله، لكن كل جملة يقولها تتحول إلى دليل ضده.


انظر إلى هذا المقطع:

«صحيح! — كنتُ عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة، وما زلتُ كذلك؛ ولكن لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟ لقد حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي — لم يُفْنِها — لم يُخْمِدها. وكان أشدَّها حدَّةً حاسّةُ السمع. لقد سمعتُ كلَّ شيءٍ في السماء وعلى الأرض. سمعتُ أشياءَ كثيرةً في الجحيم. فكيف أكون، إذن، مجنوناً؟ أَصْغُوا! وتأمّلوا كيف أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.»
True! — nervous — very, very dreadfully nervous I had been and am; but why will you say that I am mad? The disease had sharpened my senses — not destroyed — not dulled them. Above all was the sense of hearing acute. I heard all things in the heaven and in the earth. I heard many things in hell. How, then, am I mad? Hearken! and observe how healthily — how calmly I can tell you the whole story.
مقتطف من القلب الواشي إدغار آلان بو

هذه الفقرة لا تسير في خط مستقيم. إنها تتقدم، ثم تقاطع نفسها، ثم تصحح نفسها، ثم تستأنف، ثم تنفجر بسؤال، ثم تأمرنا بالإصغاء. كأن الراوي لا يروي لنا القصة فقط، بل يحاول أن يسيطر علينا ونحن نقرأها.

وهذا بالضبط ما يجعلها عظيمة.


لكن لو عرضنا هذه الفقرة على النحو التقليدي، فسيتوقف عند مواضع محددة من التقديم والتأخير.


سيقول مثلًا في الجملة:

وكان أشدَّها حدّةً حاسّةُ السمع.

إن الأصل فيها هو:


  • وكانت حاسّةُ السمع أشدَّها حدّةً.


أي إن «حاسّة السمع» اسم كان، و«أشدّها حدّة» خبرها. لكن بو، قدّم الخبر على الاسم: «أشدَّها حدّةً»، «حاسّةُ السمع».


فيقول النحو التقليدي: هذا تقديم خبر الفعل الناقص على اسمه. والغرض منه العناية بالخبر، أو التشويق إلى الاسم المؤخر.


وفي الجملة الأخيرة:

أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.

قد يقول النحو التقليدي إن الأصل الأقرب:


  • أروي القصة بأكملها لكم بعافية تامة وبهدوء كامل.


لكن النص قدّم المتعلقات (ما يُسمى نحوياً الفضلة):


  • لكم

  • بعافية تامة

  • وبهدوء كامل


وأخّر المفعول به:

  • القصة بأكملها


فيقول النحو: هذا تقديم للفضلات أو المتعلقات على المفعول، والغرض منه العناية والاهتمام والتشويق إلى المؤخر.


وهذا التحليل صحيح من حيث الوصف. لكنه، في رأيي، لا يكفي كدرس في الكتابة؛ لأنه يخبرنا ماذا حدث في الجملة، ولا يخبرنا لماذا احتاج الكاتب إلى يفعل ذلك. يخبرنا أن التقديم يثير التشويق عند السامع، لكنه لا يشرح لنا ما الذي يحدث في عقل المتكلم (الكاتب) لحظة اختار هذا الترتيب.


وهنا يبدأ الدرس الحقيقي.


ليست المشكلة في النحو. المشكلة في الطريقة المدرسية التي تستعمل النحو كأنها تلصق لافتات على الجمل:


  • تقديم للتشويق.

  • تقديم للعناية.

  • تقديم للاختصاص.

  • تقديم للاهتمام.


هذه الكلمات صحيحة، لكنها أحيانًا تصبح كسولة. لأنها تُريحنا من السؤال الأهم:


لماذا كان هذا الشيء موضع العناية أصلًا؟ لماذا لم يستطع المتكلم تأخيره؟ ما الذي يكشفه هذا الترتيب عن اضطرابه، أو رغبته، أو خوفه، أو كذبه، أو محاولته إقناع الآخرين؟


حين يقول النحو التقليدي إن تقديم «أشدّها حدّة» في جملة بو يفيد التشويق إلى «حاسة السمع»، فهو يصف ما يحدث للقارئ. لكن الكاتب يحتاج إلى شيء آخر: يحتاج إلى أن يعرف كيف يجعل ترتيب الجملة صورةً لترتيب المعنى في نفس الشخصية.


وهذا ما يجعل عبد القاهر الجرجاني أكثر نفعاً للكاتب من النحو المدرسي. فالنظم عنده ليس مجرد أن تقدّم كلمة وتؤخر أخرى. النظم هو أن تتعالق المعاني في النفس أولاً، ثم تأتي الألفاظ على وفق ذلك التعالق.


بعبارة أبسط: الجملة الجيدة لا ترتب الكلمات فقط. إنها ترتب الهواجس.


الراوي لا يحكي، بل يدافع عن نفسه


أول ما ينبغي أن نلاحظه أن الراوي في «القلب الواشي» لا يبدأ الحكاية بداية هادئة. لا يقول: حدث هذا في ليلة كذا. لا يصف المكان. لا يهيئ المشهد.


ويمكن قراءة افتتاحية «القلب الواشي» بوصفها مرافعة فاشلة: الراوي يقف في موضع الدفاع، يريد أن يثبت أنه عاقل، لكن نبرة دفاعه، وتقطّع عباراته، وتكراره، وإلحاحه على الهدوء والعافية، كلها تتحول إلى أدلة اتهام:

صحيح! — كنتُ عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة، وما زلتُ كذلك؛ ولكن لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟


هذه ليست جملة راوي محايد. هذه جملة متهم.


الراوي يعرف أن هناك حكمًا مسبقًا عليه: أنتم تظنون أنني مجنون. ولذلك يبدأ بمناورة دفاعية ذكية: يعترف بتهمة صغيرة ليدفع تهمة أكبر:

نعم، كنت عصبياً.
نعم، كنت عصبياً على نحو بالغ.
نعم، ما زلت كذلك.
لكن لماذا تصرون على أنني مجنون؟

هنا لا يعمل التكرار بوصفه زينة. إنه جزء من استراتيجية نفسية. المتكلم يحاول أن يرسم حدّاً بين «العصبية» و«الجنون». كأنه يقول: لا تخلطوا بينهما. أنا مضطرب، لكنني لست مجنوناً.


لكن المفارقة أن طريقته في الدفاع تجعله يبدو أقرب إلى الجنون. فهو لا يقول «كنت عصبياً» مرة واحدة، بل يكررها، ويضاعفها، ويقاطع نفسه، ويزيد عليها:

عصبيّاً — عصبيّاً على نحوٍ بالغ، بالغ الفظاعة

إنه لا يسيطر على الجملة. الجملة تسيطر عليه.


وهذه أول أداة في كتابة الجنون: لا تجعل الشخصية تقول إنها مضطربة. اجعلها تفشل في ترتيب دفاعها عن نفسها.


بعد ذلك يقول:

لقد حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي — لم يُفْنِها — لم يُخْمِدها.

هذه جملة شديدة الذكاء. يبدأ الراوي بجملة يمكن أن تُفهم ضده:


  • حدَّ المرضُ من حدَّة حواسي


ربما يسمعها القارئ هكذا: المرض أضعفه. المرض أفسده. المرض جعله غير موثوق.


فيخاف الراوي من هذا الفهم، فيقفز فوراً إلى التصحيح:

لم يُفنِها — لم يُخمدها

إنه يراقب أثر كلماته أثناء خروجها. كل عبارة عنده تحتاج إلى حارس. يقول شيئاً، ثم يخشى أن يُستعمل ضده، فيسارع إلى تعديله.


هذه ليست جملة تفسيرية فقط. إنها جملة محاكمة داخلية. والشرطتان المعترضتان ليستا مجرد علامة ترقيم. إنهما تشبهان ارتجافتين في الصوت. كل شرطة تقول: انتظروا، لا تفهموني خطأ. كل شرطة تكشف متكلّماً لا يثق بأن عبارته الأولى كافية للدفاع عنه.


هذا درس مهم للكاتب: الشخصية القلقة لا تسرد على نحو مستقيم. الشخصية القلقة تصحح نفسها قبل أن يصححها الآخرون.


ثم تأتي الجملة التي سيتوقف عندها النحو التقليدي:

وكان أشدَّها حدَّةً حاسّةُ السمع.

كما قلنا، يستطيع النحوي أن يقول: تقديم خبر كان على اسمها. لكن ماذا يفيد هذا للكاتب؟


الأهم أن نرى ترتيب الهوس في نفس الراوي. هو لا يبدأ بـ«حاسة السمع»، ثم يصفها بأنها حادة. بل يبدأ بالحدة نفسها: «أشدَّها حدّةً». ثم يأتي بعد ذلك بالشيء الذي يحمل هذه الحدة: «حاسّةُ السمع».


كأن الوعي عنده لا يتحرك من الشيء إلى صفته، بل من الشعور الطاغي إلى الشيء الذي سيُعلَّق عليه. أول ما يملأ نفسه ليس «السمع» بوصفه حاسة طبيعية، بل «الحدة» بوصفها لعنة. السمع يأتي لاحقاً ليكون حاملًا لهذه الحدة.


وهذا درس جميل في الكتابة: حين تكون الصفة أقوى من الموصوف في نفس الشخصية، قدّم الصفة. حين تكون التجربة أسبق من تفسيرها، اجعل الجملة تبدأ بالتجربة لا بالشرح.


لو قال:


  • وكانت حاسة السمع أشدَّها حدةً.


لكانت الجملة أكثر استقراراً، وأكثر مدرسية. لكن قوله:

وكان أشدَّها حدّةً حاسّةُ السمع.

يجعلنا ندخل رأسه من الباب الخطأ، وهذا هو المطلوب. نحن لا نرى العالم مرتباً كما يراه العاقل، بل كما يراه عقلٌ مسكون بفرط الحس.


بعد ذلك يقول:

لقد سمعتُ كلَّ شيءٍ في السماء وعلى الأرض. سمعتُ أشياءَ كثيرةً في الجحيم.

هو يظن أنه يقدّم دليلًا على سلامته. انظروا، يقول لنا: المرض لم يضعفني. بالعكس، لقد جعل حواسي مرهفة. أسمع كل شيء. لكن ما يظنه دليلًا على العقل يصبح دليلًا على الجنون.


لا أحد يسمع كل شيء في السماء وعلى الأرض. ولا أحد يسمع أشياء كثيرة في الجحيم. هذه مبالغة لا يريد بو أن تبدو بلاغية فحسب، بل مرضية أيضاً. الراوي يبالغ لأنه يحتاج إلى حجّة، لكنه لا يدري أن حجته تهدمه.


وهنا واحدة من أجمل حيل الكتابة: اجعل الشخصية تدافع عن نفسها بالكلمات التي تفضحها.


هذا أقوى بكثير من أن يقول الكاتب: كان مجنوناً. لأننا هنا لا نحتاج إلى حكم خارجي. نحن نرى الجنون يعمل داخل المنطق نفسه. الراوي لا يبدو مجنوناً لأنه يتصرف بلا منطق، بل لأنه يملك منطقاً مختلّاً، منطقاً شديد التماسك في داخله، شديد الانهيار من خارجه.


ثم يقول:

فكيف أكون، إذن، مجنوناً؟

هذا سؤال، لكنه ليس سؤالًا. إنه محاولة لإغلاق النقاش. الراوي لا ينتظر جواباً. بل يريد أن يفرض نتيجة: ما دمت أسمع بهذه الدقة، فكيف أكون مجنونًا؟ لكن السؤال يرتد عليه. لأن ما سبق لا يثبت سلامته، بل يثبت اضطرابه.


وهذه مفارقة مهمة في الكتابة: أحياناً أقوى سؤال بلاغي هو السؤال الذي لا يقنع إلا صاحبه.


كلما أصرّ الراوي على أنه ليس مجنوناً، ازددنا اقتناعاً بعكس ذلك. وكلما رفع صوته في الدفاع، ازداد صوته دليلاً عليه.


ثم تأتي الأوامر:

أَصْغُوا! وتأمّلوا كيف أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.

هذه ليست دعوة لطيفة إلى الاستماع. إنها محاولة سيطرة. الراوي لا يقول: سأروي لكم القصة. بل يقول: «أصغوا!»، «تأمّلوا!»


إنه يريد أن يتحكم في طريقة تلقينا. لا يكفيه أن يقول. يريد أن يعلّمنا كيف نسمع، وكيف نحكم، وكيف نستنتج.


ثم لاحظ الترتيب:

أروي لكم بعافيةٍ تامّة — وبهدوءٍ كامل القصة بأكملها.

النحو التقليدي سيقول إن «لكم» و«بعافية تامة» و«بهدوء كامل» تقدمت على «القصة بأكملها» للعناية والتشويق. لكن الأعمق من ذلك أن الراوي لا يهتم بالقصة أولًا. إنه يهتم بالطريقة التي ستثبت أنه عاقل. لذلك يؤخر القصة، ويقدم صفات الأداء: «بعافية تامة»، و«بهدوء كامل».


المسألة عنده ليست: ماذا حدث؟ إنها: هل ستصدقون أنني أروي ما حدث بعقل سليم؟


وهذا ترتيب نفسي دقيق جداً. فلو كان الراوي واثقاً بنفسه، لقال ببساطة: سأروي لكم القصة. لكنه ليس واثقاً. لذلك يضع «العافية» و«الهدوء» قبل القصة. كأنه يقدّم شهادة حسن سلوك لغوية قبل الاعتراف. والمفارقة، مرة أخرى، أن هذا الإصرار على الهدوء يجعله أقل هدوءاً.


علامات الترقيم جزء من الجنون


في الكتابة الحديثة، كثيراً ما نسمع نصائح من نوع: قلل الشرطات. لا تكثر من التعجب. اجعل الجمل قصيرة. لا تقاطع نفسك. ادخل في صلب الموضوع.


هذه نصائح جيدة أحياناً. لكنها لا تصلح دائماً. ففي مقتطف بو، لو أصلحنا علامات الترقيم (وعددها 19 علامة)، قتلنا الفقرة. تخيّلها هكذا:


  • كنت عصبياً جداً، وما زلت كذلك، لكنني لست مجنوناً. لقد زاد المرض من حدة حواسي، وكان سمعي أشدها حدة. سمعت أشياء كثيرة، وسأروي لكم القصة بهدوء.


هذه نسخة عاقلة من فقرة عن الجنون. ولهذا هي نسخة فاشلة.


بو يحتاج إلى الشرطات، والتكرار، والتعجب، والأسئلة البلاغية، والجمل القصيرة المفاجئة؛ لأنها ليست عيوباً هنا، بل أدوات. الفقرة لا تتحدث عن الجنون فحسب. الفقرة تتصرف كما يتصرف الجنون: تقفز، ترتجف، تعود، تصرّ، تنكر، تأمر، وتستأنف.


القواعد هنا لا تُلغى لأن الكاتب جاهل بها. تُكسر لأن الموضوع يطلب كسرها.


ما الذي يتعلمه الكاتب من هذا؟


الدرس ليس: اكتب دائماً بجمل متقطعة. ولا: أكثر من الشرطات وعلامات التعجب. ولا: كرر الكلمات كلما أردت تصوير الجنون. الدرس أدق من ذلك.


حين تكتب حالة نفسية، لا تصفها من الخارج فقط. ابحث عن «نحوها» الداخلي، وتذكر الجرجاني. اسأل نفسك:


  • ما أول شيء يضغط على وعي الشخصية؟

  • ما الكلمة التي لا تستطيع تأخيرها؟

  • ما الفكرة التي تعود إليها رغماً عنها؟

  • ما الجملة التي تقولها لتدافع عن نفسها، لكنها تفضحها؟

  • ما الذي تخاف أن يُفهم من كلامها، فتسارع إلى تصحيحه؟

  • ما الذي تريد أن تفرضه على القارئ قبل أن يبدأ الحكم عليها؟


في فقرة بو، الإجابات واضحة:


الراوي يقدّم العصبية لأنه يريد أن يعترف بها لينفي الجنون. يقدّم الحدة لأنها هوسه الحقيقي قبل أن تكون صفة للسمع. يكرر «سمعت» لأنه يريد تحويل الهلوسة إلى دليل. يسأل عن الجنون لأنه يريد أن يبعد التهمة لا أن يفهمها. يأمرنا بالإصغاء لأنه لا يثق بأن القصة وحدها ستبرئه. يقدّم العافية والهدوء على القصة لأن قضيته ليست القصة، بل إثبات اتزانه.


وهكذا يصبح ترتيب الكلمات خريطةً للخوف.


النحو بوصفه أداة كتابة لا تمريناً مدرسياً


النحو التقليدي مفيد حين يعلّمنا أسماء الظواهر. يخبرنا أن هذا تقديم خبر، وهذا تقديم معمول، وهذا استفهام إنكاري، وهذا اعتراض.


لكن الكاتب لا يحتاج إلى الأسماء وحدها. يحتاج إلى أن يرى كيف تتحول هذه الظواهر إلى طاقة داخل النص.

حين نقول: «تقديم للتشويق»، ينبغي ألا نتوقف. يجب أن نسأل: تشويق إلى ماذا؟ ولماذا يريد المتكلم أن يؤخره؟ وماذا يكشف هذا التأخير عن نفسه؟


وحين نقول: «تقديم للعناية»، ينبغي أن نسأل: لماذا صار هذا الشيء موضع العناية؟ أهو محبوب؟ مخيف؟ مشبوه؟ هل يريد المتكلم أن يخفي شيئًا بتقديم شيء آخر؟


وحين نقول: «تقديم للاختصاص»، ينبغي أن نسأل: لماذا يحتاج المتكلم إلى هذا الاختصاص الآن؟ هل يدافع؟ هل يتهم؟ هل يحاول أن يحصر المعنى قبل أن ينفلت منه؟


بهذا فقط يصبح النحو نافعاً للكتابة. لا بوصفه قائمة مصطلحات، بل بوصفه طريقة لرؤية حركة النفس داخل الجملة؛ كما أراده الجرجاني.


القاعدة الأخيرة


إذا أردت أن تكتب الجنون، لا تكتب جملة عاقلة تقول إن صاحبها مجنون.اكتب جملة تحاول أن تبدو عاقلة، لكنها تفشل. هذا هو سر افتتاحية «القلب الواشي». الراوي لا يقول لنا: أنا أفقد عقلي. بل يقول العكس تماماً:

لِمَ تُصِرّون على أنني مجنون؟


لكن كل ما في الجملة — التكرار، التقديم، الاعتراض، علامات التعجب، الأسئلة، الأوامر، الإفراط في الدفاع — يقول لنا ما يحاول هو إنكاره.


وهذا هو الأدب في أعلى درجاته: أن تقول الشخصية شيئاً، ويقول الأسلوب شيئاً آخر.


فلا تصف الجنون. اجعل الجملة تشي به.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page