كيف تصف السياسة؟
- رشاد عبد القادر

- 16 نوفمبر 2025
- 5 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 16 نوفمبر 2025


ليس من السهل العثور في الفكر السياسي الحديث على مقطع بلغ من القوة والبساطة والعمق ما بلغه نصّ ماكس فيبر في محاضرته الشهيرة «السياسة بوصفها حرفة» التي ألقاها في ميونيخ عام 1919، في لحظة ألمانية مفصلية أعقبت الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية، واضطراب الحياة السياسية والفكرية، وترنح ألمانيا بين اليأس والأمل، بين الهزيمة والبحث عن بداية جديدة. في مثل هذا السياق الذي استمدت منه كلماته قوة خاصة، قدّم فيبر خلاصة رؤيته لـ«حرفة» السياسة، مصوغاً معايير أخلاقية ونفسية صارمة لما يجب أن يكون عليه السياسي.
وقد صرنا نعرف الآن هذا المقطع، لا سيّما من خلال عبارته الافتتاحية القوية:
«السياسةُ مثلها مثل ثَقْبِ ألواح خشب صلبة بقوّةٍ وبطء؛ بشغفٍ وروّيةٍ»
هذه العبارة وحدها تُلخّص رؤية فيبر: السياسة ليست اندفاعاً أعمى، ولا حلماً سريع التحقق، بل عمل طويل الأمد، شاقّ، يتطلّب من صاحبه مزيجاً نادراً من الحماسة والانضباط، من الشغف والحكمة، ومن الإصرار والبصيرة.
لكن نص فيبر لا يُقرأ بوصفه درساً في السياسة فحسب، بل بوصفه درساً في فنّ الكتابة أيضاً، وكيف يمكن للكاتب أن يشحذ أفكاره وصياغته في لحظة تاريخية مضطربة.
وقبل تقديم الترجمة، أودّ الإشارة إلى أنّ النص في لغته الأصلية الألمانية، يحمل جمالاً خاصّاً كثيراً ما يُساء تقديره. فاللغة الألمانية ليست تلك الكتلة الثقيلة أو المتكسّرة كما يتخيّل البعض، بل هي لغة ذات بنية هرمية صارمة، تُبنى جملها كأنها سلالم فكرية متدرجة، يبدأ معناها من القاعدة ثم يعلو طبقةً طبقة حتى يبلغ الذروة في نهايتها. وهي لغة تتميز بإحكام داخلي، وبقدرة عالية على جمع الدقة المنطقية والثراء الدلالي، بحيث تبدو الجملة الألماني، عندما تُكتب جيداً، متماسكة عضوياً، كأنها قطعة واحدة لا يمكن فصل مفرداتها عن سياقها.
إن نص فيبر مثالٌ على هذا الانسجام؛ جملة طويلة تنفتح بهدوء، وتتقدّم بتروٍّ، وتغلق في نهاية السطر على فكرةٍ تتخذ شكل خاتمة لاهوتية في قوتها ونبرتها:
السياسةُ مثلها مثل ثَقْبِ ألواح خشب صلبة بقوّةٍ وبطء؛ بشغفٍ وروّيةٍ. وليس ثمّة شكّ في أن تجارب التاريخ كلها تشهد بأن الإنسان ما كان ليبلغ المُمْكِن، لو لم يسعَ، المرّة تلو الأخرى، إلى المستحيل. غير أنّ الإقدام على ذلك، يقتضي أن يكون المرء قائداً، بل وبطلاً أيضاً بالمعنى الأكثر رصانة للكلمة. حتّى الذين ليسوا قادةً، ولا أبطالاً، لا بُدّ لهم التحلّي برباطة الجأش التي تمكّنهم من تحمّل انهيار كل الآمال. هذا، والآن تحديداً، أمرٌ لا غنى عنه؛ وإلّا فلن يحققوا ما هو مُمْكِنٌ اليوم. ولا يصلح للسياسة إلّا مَنْ كان واثقاً أنّه لن ينكسر حتى إذا تبدّى له أن الدنيا أسخف أو أحقر من أن تستحق ما يريد تقديمه لها؛ وحده الذي يستطيع، إزاء كل ذلك، أنْ يقول: «وإنْ يكن!» هو صاحب «حرفة» في السياسة.
„Politik bedeutet ein starkes, langsames Bohren von harten Brettern mit Leidenschaft und Augenmaß zugleich. Gewiss ist es – und alle geschichtliche Erfahrung bestätigt es – dass der Mensch das Mögliche nicht erreicht hätte, wenn er nicht immer wieder nach dem Unmöglichen gegriffen hätte. Aber um das zu tun, muss er ein Führer sein – und nicht nur das, sondern in einem sehr nüchternen Sinn ein Held. Und auch diejenigen, die keine Führer sind und keine Helden, müssen sich mit jener Seelenstärke wappnen, die das Zerbrechen aller Hoffnungen zu ertragen vermag. Das ist, gerade jetzt, notwendig, sonst werden sie nicht einmal das heute Mögliche erreichen. Nur wer sicher ist, daß er daran nicht zerbricht, wenn die Welt, von seinem Standpunkt aus gesehen, zu dumm oder zu gemein ist für das, was er ihr bieten will, daß er all dem gegenüber: ‚dennoch!‘ zu sagen vermag, nur der hat den ‚Beruf‘ zur Politik.“
يفتتح فيبر نصّه باستعارة حسّية قوية: «ثقب ألواح خشب صلبة»، تحوّل المفهوم المجرد (السياسة) إلى «حرفة»؛ إلى فعل ملموس يستطيع القارئ تخيّله وسماع صوته تقريباً. الاستعارة الناجحة تجسّد المجرد وتجعله محسوساً.
لاحظ كيف يضيف «بقوة وبطء»؛ متضادان يخلقان توتراً دلالياً يعكس طبيعة العمل السياسي نفسه. ثم يعمّق هذا التوتر بإضافة «بشغفٍ وروّية»؛ ثنائية أخرى تكشف التعقيد النفسي للفعل السياسي. لذلك، اجعل من تركيبك اللغوي صورةً للفكرة نفسها. حين تكون الفكرة توتّراً بين قوتين، فلتكن الجملة أيضاً مشدودة بينهما.
يبني فيبر حجته على نحو تصاعدي محكم:
يبدأ بتعريف (السياسة مثلها مثل...)
ينتقل إلى حقيقة تاريخية عامة (تجارب التاريخ كلها تشهد...)
يرتفع إلى الشرط الضروري (يقتضي أن يكون قائداً... بطلاً)
يتوسع ليشمل الجميع (حتى الذين ليسوا قادة...)
يربط بالحاضر (الآن تحديداً)
يختم بالشرط النهائي الحاسم (لا يصلح للسياسة إلا...)
هذا البناء يخلق إيقاعاً دراماتيكياً يقود القارئ من العام إلى الخاص، من الوصف إلى الشرط، من الماضي إلى الحاضر. وهو ما يذكرني بأسلوب مؤسِّس النثر في اللغة العربية عبد الحميد الكاتب، وإليك مثالاً من إحدى رسائله:

إذن، لا تضع كل شيء دفعة واحدة. ابنِ حجتك طبقةً فوق أخرى؛ هذا يمنح القارئ وضوحاً وثقة بالنص.
النص مبني أيضاً على سلسلة من التوازنات:
الممكن / المستحيل
القوة / البطء
الشغف / الروّية
القائد / البطل
الأمل / انهيار الأمل
هذا التوازن يعكس رؤية فيبر للسياسة كفن إدارة التناقضات، ويمنح النص عمقاً فلسفياً.
ثم بإدراج عبارة «الآن تحديداً»، يكسر فيبر التأمل الفلسفي العام، ويربطه باللحظة الراهنة. هذا الأسلوب يحوّل النص من تأمل نظري إلى نداء عملي. فربط الأفكار العامة بالسياق الزمني يمنحها قوة وإلحاحاً.
لكن أقوى لحظات النص تُختَزَل في كلمة واحدة:
«وإن يكن… !»
إنها كلمة قصيرة مشحونة بالمعنى متبوعة بعلامة التعجّب، لا تُفسِّر بل تُجسّد. إنها صرخة تحدٍّ مقتضبة يختتم بها فيبر فكرته، وتلّخص روح المقاومة والإصرار. إنها ليست مجرد كلمة بل موقف وجودي كامل. والدرس هنا: أن الختام القوي قد يكون كلمة أو كلمتين تختزلان روح النص كله.
ويلجأ فيبر إلى الجمل الطويلة حين يشرح، ويقصّرها حين يقرّر أو يحسم. هذا التنوّع يصنع موسيقى داخلية تجعل النص قابلاً للقراءة بصوت عالٍ. لذلك عندما تكتب دع الإيقاع يخدم المعنى. اجعل بعض الجمل تفكر، وأخرى تضرب.
ما نقرؤه اليوم ليس نسخة دقيقة محقّقة مما قاله فيبر في أثناء المحاضرة. لم تُسجَّل المحاضرة تسجيلاً حرفياً. بل كانت مسودة مكتوبة راجعتها زوجته ماريانه فيبر، ثم نُقّحت عند النشر. وهذا يعني أنّ بعض الجمل قد صيغت بتجميل لاحق، بعض النبرات قد تغيّرت، ثمّ أنّ بعض الألفاظ قد نُقلت بروح فيبر لا بنصّه. من ذلك مثلًا:
كلمة Held (بطل): هل قصد البطولة الأخلاقية؟ أم النفسية؟ أم الدينية؟
كلمة Beruf (حرفة، مهنة، دعوة): هل تحمل ظلالًا لاهوتية؟ أم فلسفية؟ أم مهنية؟
كلمة dennoch! (وإنْ يكن!): هل قالها بصوت مرتفع؟ أم منخفض؟ أم تردّد قبلها؟
هناك إذن «فراغات» لا يمكن ملؤها، وهذه الفراغات جزء من أسطورة النص.
ويبقى أن نقول إن محاضرة فيبر أُلقيت في يناير 1919، بعد أسابيع من هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية، وتشكّل جمهورية «فايمار» الوليدة. كان الجو السياسي متوتراً إلى حدّ الانفجار، بين: الثورات اليسارية، والميليشيات اليمينية، واغتيالات القادة، وانعدام الثقة بالبرلمان.
فيبر لم يكن ديمقراطياً بالمعنى البسيط. كان ينتقد ضعف البرلمان، فوضى الأحزاب، الشعبوية الثورية، وحكم «الكتل الغاضبة». وفي الوقت نفسه، كان يرى أن الحلّ ليس في الاستبداد، بل في قيادة قوية، مسؤولة، خاضعة للمساءلة، وقادرة على «أن تقول للعالم: وإن يكن!».
هذا النص ليس دفاعاً عاطفياً عن الديمقراطية، بل محاولة لإنقاذها من نفسها عبر رؤية واقعية:
الديمقراطية تحتاج قادة يتحملون العبء الأخلاقي والنفسي للسلطة، لا أبطالًا غوغائيين، ولا رومانسيين سياسيين.






