كيف تكتب مرافعة الدفاع الختامية؟
- رشاد عبد القادر

- 13 نوفمبر 2025
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 13 نوفمبر 2025


قلّما نجد مشهداً في الأدب أو السينما ينافس مشهد جلسة المحكمة للنطق بالحكم في شدّته وعمقه الأخلاقي. إنها مساحة تتقاطع فيها الحقيقة بالإقناع، والعقل بالعاطفة، والعدالة بالتحيّز.
تُعدّ رواية A Time to Kill (حان وقت القتل) (1989) للروائي جون غريشام واحدة من أبرز النماذج التي جمعت بين الأدب والسينما في معالجة هذه اللحظة؛ وتعالج مأزقاً أخلاقياً عظيماً: هل يمكن للقانون أن يمنح العدالة لأبٍ أسود قتل مغتصبي ابنته البيض في بلدةٍ يغمرها التمييز العنصري؟
لكن عندما تحوّلت الرواية إلى فيلم عام 1996 (يُعرض حالياً على نتفليكس)، أدرك كاتب السيناريو أكيفا غولدسمان أن مركز الثقل في القصة ليس في الحكم القضائي، بل في مرافعة الدفاع الختامية. هناك، في لحظة المواجهة الأخيرة، يتحوّل القانون إلى إنسان، والعدالة إلى تجربة شعورية حيّة. ويقدّم مشهداً ختامياً يُعد واحداً من أقوى ما كُتب وأُدِّي في تاريخ سينما القانون أو المحاكم.
التحوّل من القانون إلى القصة
في الرواية، يعتمد غريشام على السرد الداخلي والمحاكمة بوصفها صراعاً فكرياً وأخلاقياً بين شخصيات تحمل مواقف متباينة من العدالة والعنصرية في الجنوب الأمريكي.
لكن غولدسمان، بخبرته في تحويل النصوص الأدبية إلى أفلام قوية، يمتلك قدرة نادرة على نقل الجوهر السردي إلى الشاشة دون أن يفقد عمقه. لقد جعل الفيلم في لحظته الختامية أقوى وأكثر تأثيراً.
في مشهد مرافعة الدفاع الأخيرة، يقف المحامي الشاب جاك بريغانس (ماثيو ماكونهي) أمام هيئة المحلفين، وما يبدو أول الأمر مرافعة قانونية يتحول شيئاً فشيئاً إلى قصة تُروى؛ وهنا يكمن السر.
النص الأصلي للمرافعة
الآن، سأقصّ عليكم حكاية.
أطلب منكم أن تُغمِضوا أعينكم، بينما أروي لكم هذه الحكاية.
أريدكم أن تُصغوا إليّ... وأن تُصغوا إلى أنفسكم.
إنها حكايةُ فتاةٍ صغيرةٍ تمشي عائدةً إلى بيتها من متجر البقالة، في ظهيرةِ يومٍ مشمس.
تخيّلوا تلك الفتاةَ الصغيرة.
فجأةً تندفع نحوها شاحنةٌ. يقفز منها رجلان ويمسكان بها. يجرّانها إلى حقلٍ قريب، يربطانها، ثم يمزّقان ثيابها عن جسدها.
الآن يطآنها، الأولُ ثم الآخر، يغتصبانها، ويدمّران كلَّ ما هو بريءٌ وطاهر، بعنفٍ، في غشاوةٍ من أنفاسِ السكارى وعرقِهم.
وحين فرغا، بعد أن أتلفا رحمَها الصغير، وقضيا على أيِّ احتمالٍ لأن تنجب، لأن يكونَ لها نسلٌ يوماً ما، قرّرا أن يتسلّيا بها، فاتخذا جسدَها هدفاً للرمي.
راحا يقذفانها بعلبِ الجِعَة المليئة، يقذفانها بقوةٍ تمزّق لحمَها حتى العظم، ثم تبوّلا عليها.
ثم جاء دورُ الشَّنق. أخرجا حبلاً وربطا فيه عقدةَ المشنقة. تخيّلوا العقدةَ وهي تشتدُّ حول عنقِها، ونفضةَ جسدِها اللا إرادية.
شُدّت إلى الأعلى، وقدماها وساقاها ترفسان بحثاً عن أرضٍ تسندها من دون جدوى. الغصنُ الذي عُلّقت منه لم يكن قويّاً بما يكفي، فانكسر وسقطت على الأرض.
عندئذٍ التقطاها، ألقياها في الصندوق الخلفي للشاحنة، وانطلقا نحو جسر «فوغي كريك»، ورمياها من فوق الحافة.
هوت من ارتفاع ثلاثين قدماً إلى قاع النهر في الأسفل.
هل ترونها؟ هل ترون جسدَها المغتصَبَ، الممزَّقَ، المكسور؛ الغارقَ في بولهما، الغارقَ في منيهما، الغارقَ في دمِها؛ ذاك الجسدَ الذي تُرك ليلقى حتفه؟
هل ترونها؟ أريدكم أن تتصوّروا تلك الفتاةَ الصغيرة.
والآن... تخيّلوا أنّها بيضاء.
النص بالإنكليزية
Now I wanna tell you a story.
I'm gonna ask ya'all to close your eyes while I tell you this story.
I want you to listen to me. I want you to listen to yourselves.
This is a story about a little girl walking home from the grocery store one sunny afternoon.
I want you to picture this little girl.
Suddenly a truck races up. Two men jump out and grab her. They drag her into a nearby field and they tie her up, and they rip her clothes from her body.
Now they climb on, first one then the other, raping her, shattering everything innocent and pure -- vicious thrusts -- in a fog of drunken breath and sweat.
And when they're done, after they killed her tiny womb, murdered any chance for her to bear children, to have life beyond her own, they decide to use her for target practice.
So they start throwing full beer cans at her. They throw 'em so hard that it tears the flesh all the way to her bones -- and they urinate on her. Now comes the hanging. They have a rope; they tie a noose. Imagine the noose pulling tight around her neck and a sudden blinding jerk.
She's pulled into the air and her feet and legs go kicking and they don't find the ground. The hanging branch isn't strong enough. It snaps and she falls back to the earth.
So they pick her up, throw her in the back of the truck, and drive out to Foggy Creek Bridge and pitch her over the edge.
And she drops some 30 feet down to the creek bottom below.
Can you see her?
Her raped, beaten, broken body, soaked in their urine, soaked in their semen, soaked in her blood -- left to die.
Can you see her? I want you to picture that little girl.
Now imagine she's white.
التحليل:
افتتاح السرد:
«والآن، سأقصّ عليكم حكاية.»
مخاطبة مباشرة، انتقال من المنطق القانوني إلى السرد الإنساني، إرساء الثقة والـethos.
المشاركة الحسية:
«أطلب منكم أن تُغمِضوا أعينكم...»
إجبار المستمعين على التصوّر، استبعاد الحكم المسبق، بناء رابط عاطفي، إحداث مشاركة مباشرة.
تفاصيل المشهد الواقعي:
«متجر البقالة»، «ظهيرة يوم مشمس»
تصوير الحياة اليومية قبل الصدمة، تعزيز البراءة، استخدام لغة سرد شفوية لإيقاع ممتد.
التصعيد المفاجئ والخطر:
«فجأةً تندفع نحوها شاحنةٌ…»
إدخال الصراع فجأة، استخدام جمل قصيرة، قاعدة «أظهر، لا تخبر»، جعل هيئة المحلفين شهوداً ضمنياً.
الاقتصاد في اللغة والتكرار:
«يطآنها، يغتصبانها، يدمران…»
إيقاع ميكانيكي بتكرار استخدام ضمير التثنية، حذف الصفات، الصمت أكثر تأثيراً من الوصف، استخدام التكرار كأداة للشد العاطفي.
الصمت والخيال:
التوقف قبل السؤال:
«هل ترونها؟»
تمكين المشاهد من بناء الصورة ذهنياً، الصمت جزء من الحجة والإقناع.
انقلاب إدراكي:
«والآن... تخيّلوا أنّها بيضاء.»
إعادة بناء الإدراك (cognitive turn)، مواجهة التحيز العنصري، قوة الإيجاز، صمت طويل بعد الجملة لإيقاظ الضمير.
عبقرية أكيفا غولدسمان
يمتلك السيناريست أكيفا غولدسمان قدرة فريدة على تحويل الروايات الكبرى إلى أفلام لا تقلّ عمقاً، مثل A Beautiful Mind وI Am Legend. في كثير من الأعمال، تكون الرواية أقوى من الفيلم، لكن مع غولدسمان يحدث العكس أحياناً؛ إذ يمنح الصورة واللغة نَفَساً يتجاوز الحكاية الأصلية، كما فعل هنا بتحويل المرافعة إلى تجربة حسية كاملة.
الدروس المستفادة:
السرد أداة إقناع: القصة تقول ما لا تقوله الحجة القانونية.
تفاصيل تخدم الذروة العاطفية: كل كلمة لها وزنها، لا جمل زائدة.
الاقتصاد في اللغة: الحذف والاختصار يزيدان وقع النص.
إعادة بناء الإدراك: الجملة الأخيرة يمكنها إعادة تعريف كل ما قبلها.
الذروة في القصة ليست لحظة النصر، بل لحظة البصيرة: لحظة يختبر فيها الجمهور نفسه.






