top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تكتب عن الحب؟

تاريخ التحديث: 11 نوفمبر 2025

جبران خليل جبران
جبران خليل جبران

تحليل مقطع من "النبي" لخليل جبران خليل

قرأت كتاب «النبي» لجبران خليل جبران وسمعته عشرات المرات، إنْ لم تكن المئات. على مدار ثلاث سنوات متتالية، سمعته كل يوم بصوت الممثل الأيرلندي ريتشارد هاريس الذي لعب دور ألباس دمبلدور في فيلم «هاري بوتر».


في الفصل الأول، يتحدث جبران عن «الحبّ» ذاك الشيء المحيّر، النفيس، الذي يطارده البشر جميعاً ولا يكاد أحدٌ يقدر على وصفه بدقّة.



التحدّي الأكبر في الكتابة عن الحبّ يكمن في كونه مفهوماً مجرّداً، يصعب القبض عليه. فكيف يتجاوز جبران هذا العائق؟ إنّه يفعل ذلك بأن يكتب عن الحبّ كما لو كان شخصاً. يجسّده. وهكذا يتخلّى الحبّ عن غموضه وانسيابه، ليغدو كائناً حيّاً معقّداً يمكن أن نراه ونحاوره. فهو يومئ، ويتحدّث، ويعصف، ويُكلّل، ويصلب.


إذا أوْمَأَ الحبُّ إليكم فاتبعوه، وإنْ كان وَعِرَ المسالك، زَلِقَ المُنْحَدَر.
وإذا بَسَطَ عليكم جناحيْه فأسْلموا له القِياد، وإنْ جرحكم سيفُه المستور بين قَوادِمه.
وإذا حَدَّثكم آمنوا به، وإنْ كان لصوته أن يَعْصِفَ بأحلامكم كما تعصفُ ريحُ الشَّمال بالبُستان.
لأنّه كما أن الحبّ يّكلّلكم، فَكذلك يَصْلِبَكم.
When love beckons to you, follow him, though his ways are hard and steep.
And when his wings enfold you yield to him, though the sword hidden among his pinions may wound you.
And when he speaks to you believe in him, though his voice may shatter your dreams as the north wind lays waste the garden.
For even as love crowns you so shall he crucify you.

وتزداد رهبة النصّ باستخدام لغةٍ دينيةٍ مهيبة؛ فكلمات مثل «يكلّل» و«يصلب»، وعبارات كـ «اتبعوه» و«آمنوا به»، تبدو كأنها مقتطفة من الكتب المقدسة. كما أنّ تجسيد الحبّ بضمير المذكر يضفي على المقطع ظلالاً كتابيةً مقدّسة، بينما لو جُسِّد بضمير المؤنث لاكتسب مسحةً أسطوريةً مختلفة. 


بالنسبة إلى جبران، الحبّ ليس خيراً ولا شرّاً، بل هو مفارقةٌ قائمة بذاتها، ولذا جاء المقطع مشحوناً بالتناقضات التي تُرغم القارئ على مواجهة طبيعة الحبّ العاصفة والمتقلّبة.


فالحبّ يستعصي على الوصف المباشر، لأنه عاطفةٌ متناهية القوة تتجاوز طاقة اللغة على الإحاطة.


كان جبران قد صاغ فكرة «النبي» أولاً بالعربية، قبل أن يكتبها بالإنكليزية بسنوات طويلة. وتحمل أعماله العربية المبكّرة، مثل «الأجنحة المتكسّرة» و«دمعة وابتسامة»، البذور الأولى للفكرة نفسها: ذلك النَّفَس الروحي العميق، وبنية المواعظ القصيرة، والصور الرمزية التي تمزج بين الشعر والتأمل الفلسفي.


وقد قال ذات يوم لصديقته ومُلهمته ماري هاسكل، التي كانت رفيقة دربه وداعمته الكبرى: «إنّ النبيّ يسكنني منذ طفولتي في لبنان.»


ومن هنا، فإنّ النسخة الإنكليزية ليست عملاً غربياً خالصاً، بل هي بعثٌ جديد لروحٍ عربيةٍ نضجت طويلاً، ووجدت في اللغة الإنكليزية وسيلةً لتعبيرها الكوني.


وحين نُشر الكتاب عام 1923، وقع النقّاد الإنكليز في حيرةٍ أمامه:


أهو قصيدة؟ أم عظة؟ أم رواية؟


لقد بدا خارج التصنيفات الأدبية المألوفة، بنَفَسه الكتابيّ الحرّ ونبرته الروحية العميقة. كانت لغته الإنكليزية تنبض بإيقاعٍ عربيٍّ خفيّ، إذ امتلأت بتراكيب الجملة العربية وإيقاعاتها الموسيقية، فخلقت ما سمّاه الدارسون لاحقاً «التصوّف العربي بالإنكليزية».


هذا المزج الفريد بين الشرق والغرب ألهم فيما بعد شعراء وكتّاباً كباراً مثل ت. س. إليوت وويليام بتلر ييتس وحتّى بوب ديلان. وعلى الرغم من أنّ كثيرين قرؤوه بوصفه كتاباً ذا نزعةٍ مسيحيةٍ غامضة، إلّا أنّه في حقيقته عملٌ توفيقيّ يجمع بين الروحانيات الكبرى للأديان والفلسفات المختلفة. لقد أراد جبران أن يُوحِّد الشرق والغرب روحياً، وأن يبتكر لغةً كونيةً للروح يتحدّث بها البشر جميعاً.


وعندما صدر الكتاب عام 1923 عن دار ألفريد كنوبف، كانت مبيعاته محدودة. كان جبران معروفاً في الأوساط العربية الأمريكية، لكنه لم يكن قد نال بعد اعترافَ الأوساط الأدبية الواسعة. ولم يبدأ الكتاب يحقق شهرته العالمية إلا بعد وفاته، حين تحوّل في خمسينيات وستينيات القرن العشرين إلى ظاهرةٍ ثقافيةٍ عالمية، تبنّتها حركات الهيبي والثقافات المضادّة بوصفها إنجيلاً للحبّ والحرية والسلام.


رسم جبران في ملاحظاته مخططاتٍ رمزيةً وهندسية للبنية الداخلية للكتاب، إذ كان يراه عمارةً روحيةً متكاملة، تتوزّع فصولها كأنها قبابٌ وممراتٌ في معبدٍ للروح.


أما ماري هاسكل، المعلمة البوسطنية وصديقته الأقرب، فقد كانت المحرّرة الخفية للكتاب؛ تولّت مراجعته وتمويل طباعته، وساهمت في صياغة كثيرٍ من لغته وإيقاعه. وتكشف يومياتها أنها هي التي اقترحت بعض المفردات، وتنظيم الفصول، بل وحتى عنوان الكتاب نفسه «النبي»، ومع ذلك رفضت أن تُذكر في صفحاته.


في الفصل الأخير من «النبي»، يركب المصطفى سفينته عند الفجر، تحفّه السكينة والنور، في مشهدٍ يرمز إلى عودة الروح إلى موطنها الأول. وعلى نحوٍ شبيه، مات جبران وحيداً في نيويورك عن عمرٍ لم يتجاوز الثامنة والأربعين، بسبب تشمّع الكبد والسلّ. ثم نُقل جثمانه إلى لبنان ودُفن في ديرٍ ببلدته «بشري»، حيث استُقبل كأنه نبيٌّ عائدٌ إلى قومه، تماماً كما تخيّل في نهاية كتابه.


ولأنّ كلّ قارئٍ يجد في «النبي» انعكاسَ ذاته، صاغ جبران كتابه بحيث يكون مرآةً لا عقيدة؛ نصّاً مفتوحاً يتبدّل مع قارئه.


وهكذا ظلّ هذا الكتاب حيّاً عبر الثقافات، ليس لأنه يقدّم شريعةً أو مذهباً، بل لأنه يقدّم دعوةً إلى يقظةٍ داخليةٍ، إلى أن يصغي الإنسان لصوت روحه.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page