كيف تكتب عن الحب؟
- رشاد عبد القادر

- 7 نوفمبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 11 نوفمبر 2025


قرأت كتاب «النبي» لجبران خليل جبران وسمعته عشرات المرات، إنْ لم تكن المئات. على مدار ثلاث سنوات متتالية، سمعته كل يوم بصوت الممثل الأيرلندي ريتشارد هاريس الذي لعب دور ألباس دمبلدور في فيلم «هاري بوتر».
في الفصل الأول، يتحدث جبران عن «الحبّ» ذاك الشيء المحيّر، النفيس، الذي يطارده البشر جميعاً ولا يكاد أحدٌ يقدر على وصفه بدقّة.
التحدّي الأكبر في الكتابة عن الحبّ يكمن في كونه مفهوماً مجرّداً، يصعب القبض عليه. فكيف يتجاوز جبران هذا العائق؟ إنّه يفعل ذلك بأن يكتب عن الحبّ كما لو كان شخصاً. يجسّده. وهكذا يتخلّى الحبّ عن غموضه وانسيابه، ليغدو كائناً حيّاً معقّداً يمكن أن نراه ونحاوره. فهو يومئ، ويتحدّث، ويعصف، ويُكلّل، ويصلب.
إذا أوْمَأَ الحبُّ إليكم فاتبعوه، وإنْ كان وَعِرَ المسالك، زَلِقَ المُنْحَدَر.
وإذا بَسَطَ عليكم جناحيْه فأسْلموا له القِياد، وإنْ جرحكم سيفُه المستور بين قَوادِمه.
وإذا حَدَّثكم آمنوا به، وإنْ كان لصوته أن يَعْصِفَ بأحلامكم كما تعصفُ ريحُ الشَّمال بالبُستان.
لأنّه كما أن الحبّ يّكلّلكم، فَكذلك يَصْلِبَكم.
When love beckons to you, follow him, though his ways are hard and steep.
And when his wings enfold you yield to him, though the sword hidden among his pinions may wound you.
And when he speaks to you believe in him, though his voice may shatter your dreams as the north wind lays waste the garden.
For even as love crowns you so shall he crucify you.
وتزداد رهبة النصّ باستخدام لغةٍ دينيةٍ مهيبة؛ فكلمات مثل «يكلّل» و«يصلب»، وعبارات كـ «اتبعوه» و«آمنوا به»، تبدو كأنها مقتطفة من الكتب المقدسة. كما أنّ تجسيد الحبّ بضمير المذكر يضفي على المقطع ظلالاً كتابيةً مقدّسة، بينما لو جُسِّد بضمير المؤنث لاكتسب مسحةً أسطوريةً مختلفة.
بالنسبة إلى جبران، الحبّ ليس خيراً ولا شرّاً، بل هو مفارقةٌ قائمة بذاتها، ولذا جاء المقطع مشحوناً بالتناقضات التي تُرغم القارئ على مواجهة طبيعة الحبّ العاصفة والمتقلّبة.
فالحبّ يستعصي على الوصف المباشر، لأنه عاطفةٌ متناهية القوة تتجاوز طاقة اللغة على الإحاطة.
كان جبران قد صاغ فكرة «النبي» أولاً بالعربية، قبل أن يكتبها بالإنكليزية بسنوات طويلة. وتحمل أعماله العربية المبكّرة، مثل «الأجنحة المتكسّرة» و«دمعة وابتسامة»، البذور الأولى للفكرة نفسها: ذلك النَّفَس الروحي العميق، وبنية المواعظ القصيرة، والصور الرمزية التي تمزج بين الشعر والتأمل الفلسفي.
وقد قال ذات يوم لصديقته ومُلهمته ماري هاسكل، التي كانت رفيقة دربه وداعمته الكبرى: «إنّ النبيّ يسكنني منذ طفولتي في لبنان.»
ومن هنا، فإنّ النسخة الإنكليزية ليست عملاً غربياً خالصاً، بل هي بعثٌ جديد لروحٍ عربيةٍ نضجت طويلاً، ووجدت في اللغة الإنكليزية وسيلةً لتعبيرها الكوني.
وحين نُشر الكتاب عام 1923، وقع النقّاد الإنكليز في حيرةٍ أمامه:
أهو قصيدة؟ أم عظة؟ أم رواية؟
لقد بدا خارج التصنيفات الأدبية المألوفة، بنَفَسه الكتابيّ الحرّ ونبرته الروحية العميقة. كانت لغته الإنكليزية تنبض بإيقاعٍ عربيٍّ خفيّ، إذ امتلأت بتراكيب الجملة العربية وإيقاعاتها الموسيقية، فخلقت ما سمّاه الدارسون لاحقاً «التصوّف العربي بالإنكليزية».
هذا المزج الفريد بين الشرق والغرب ألهم فيما بعد شعراء وكتّاباً كباراً مثل ت. س. إليوت وويليام بتلر ييتس وحتّى بوب ديلان. وعلى الرغم من أنّ كثيرين قرؤوه بوصفه كتاباً ذا نزعةٍ مسيحيةٍ غامضة، إلّا أنّه في حقيقته عملٌ توفيقيّ يجمع بين الروحانيات الكبرى للأديان والفلسفات المختلفة. لقد أراد جبران أن يُوحِّد الشرق والغرب روحياً، وأن يبتكر لغةً كونيةً للروح يتحدّث بها البشر جميعاً.
وعندما صدر الكتاب عام 1923 عن دار ألفريد كنوبف، كانت مبيعاته محدودة. كان جبران معروفاً في الأوساط العربية الأمريكية، لكنه لم يكن قد نال بعد اعترافَ الأوساط الأدبية الواسعة. ولم يبدأ الكتاب يحقق شهرته العالمية إلا بعد وفاته، حين تحوّل في خمسينيات وستينيات القرن العشرين إلى ظاهرةٍ ثقافيةٍ عالمية، تبنّتها حركات الهيبي والثقافات المضادّة بوصفها إنجيلاً للحبّ والحرية والسلام.
رسم جبران في ملاحظاته مخططاتٍ رمزيةً وهندسية للبنية الداخلية للكتاب، إذ كان يراه عمارةً روحيةً متكاملة، تتوزّع فصولها كأنها قبابٌ وممراتٌ في معبدٍ للروح.
أما ماري هاسكل، المعلمة البوسطنية وصديقته الأقرب، فقد كانت المحرّرة الخفية للكتاب؛ تولّت مراجعته وتمويل طباعته، وساهمت في صياغة كثيرٍ من لغته وإيقاعه. وتكشف يومياتها أنها هي التي اقترحت بعض المفردات، وتنظيم الفصول، بل وحتى عنوان الكتاب نفسه «النبي»، ومع ذلك رفضت أن تُذكر في صفحاته.
في الفصل الأخير من «النبي»، يركب المصطفى سفينته عند الفجر، تحفّه السكينة والنور، في مشهدٍ يرمز إلى عودة الروح إلى موطنها الأول. وعلى نحوٍ شبيه، مات جبران وحيداً في نيويورك عن عمرٍ لم يتجاوز الثامنة والأربعين، بسبب تشمّع الكبد والسلّ. ثم نُقل جثمانه إلى لبنان ودُفن في ديرٍ ببلدته «بشري»، حيث استُقبل كأنه نبيٌّ عائدٌ إلى قومه، تماماً كما تخيّل في نهاية كتابه.
ولأنّ كلّ قارئٍ يجد في «النبي» انعكاسَ ذاته، صاغ جبران كتابه بحيث يكون مرآةً لا عقيدة؛ نصّاً مفتوحاً يتبدّل مع قارئه.
وهكذا ظلّ هذا الكتاب حيّاً عبر الثقافات، ليس لأنه يقدّم شريعةً أو مذهباً، بل لأنه يقدّم دعوةً إلى يقظةٍ داخليةٍ، إلى أن يصغي الإنسان لصوت روحه.






