ثلاث افتتاحيات غيّرت الصحافة
- رشاد عبد القادر

- 24 ديسمبر 2025
- 10 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 24 ديسمبر 2025


في هذا العام وحده، أُغلقت أكثر من 136 صحيفة أمريكية، ونحو 50 مجلة، وعشرات المواقع الصحفية؛ كبيرة وصغيرة، فيما تصارع مئات أخرى من أجل البقاء. وخلال الربع الأول من هذا القرن، تراجعت القراءة بنسبة لا تقل عن 40 في المئة، في زمن تسارع فيه الإيقاع، وتزايد فيه التشتيت، وتآكلت القدرة على التركيز.
في هذا المشهد، تبدو مجلة مثل «ذا نيويوركر» مفارقة يصعب تفسيرها: مجلة نخبوية إلى حدّ الاستفزاز، طويلة، بطيئة، لا تراهن على العناوين الصاخبة، ولا على السرعة، تنشر 47 عدداً فقط في السنة، ومع ذلك تزدهر، وتحتفل هذا العام بعامها المئة.
كيف استطاعت «ذا نيويوركر» أن تفعل ذلك؟
كيف تحوّلت من مجلّة أراد لها مؤسّسها هارولد روس أن تكون ساخرة ثقافية اجتماعية، إلى مجلة يكفي اقتناؤها لوضع القارئ؛ ولو رمزياً، ضمن الصفوة؟ مجلة لم تُغَيِّر الخط (الفونت) الذي تُكتب به منذ عقود، ولم تنشر صورة فوتوغرافية واحدة على غلافها، لأن الغلاف يُعامل فيها بوصفه جزءاً من اللغة لا من التسويق. مجلة يصلها سنوياً نحو 10 آلاف نصّ، فلا تنشر منها سوى 70، وتتلقى أسبوعياً قرابة 1500 رسم كاريكاتير، لتختار منها 10 فقط. والأهم من ذلك: مجلة يُعاد فيها قراءة النص المرة تلو المرة؛ بسبب تفاصيل قد تبدو تافهة خارج هذا السياق. في تدقيق المعلومات، لا يُسأل فقط: هل المعلومة صحيحة؟ بل: هل الفعل هنا «كان» أم «يكون»؟ هل رد العامل في المطعم: «طاب يومك، سبارك ستيك هاوس، كيف يمكنني خدمتك؟» أم قال شيئاً آخر؟ وهل دُعي المصدر في القصة إلى شرب الشاي أم القهوة؟ أسئلة من هذا النوع لا تُطرح للتأنّق اللغوي، بل لأن المجلة لا تسمح بنسب جملة إلى أحد ما لم تُقَل، ولا تسمح بتثبيت زمن فعل إن لم يكن مؤكَّداً.
الإجابة لا تكمن في نموذجها الاقتصادي، ولا في إدارتها، بل في طريقة واحدة محددة في الكتابة؛ طريقة تشكّلت عبر نصوص بعينها، وافتتاحيات غيّرت ما يمكن أن تكونه الصحافة.
القصة تبدأ بعدد صدر في 23 أغسطس/آب 1946، خُصِّص بالكامل لنص واحد من ثلاثين ألف كلمة بعنوان «هيروشيما» لـ جون هيرسي. نفدت النسخ خلال ساعات، وتواصل ألبرت أينشتاين مع المجلة طالباً طباعة ألف نسخة إضافية لإرسالها إلى العلماء.
في هذه المقالة، سأتناول ثلاثة صحفيين خرجوا من داخل «ذا نيويوركر» وأسهم كل واحد منهم، بطريقته، في تغيير الصحافة: جون هيرسي (1914-1993)، ثم ترومان كابوتي (1924-1984)، ثم توم وولف (1930-2018). القراءة هنا لن تكون سيرةً، ولا احتفاءً، بل قراءة لثلاث افتتاحيات تحديداً، واحدة لكل كاتب، لفهم كيف يتشكّل الأسلوب، وكيف يُستكمَل، وكيف يُتجاوَز، وما الذي يمكن أن نتعلّمه نحن، ككتّاب، من هذه التحوّلات.
يفتتح هيرسي نصّه عن «هيروشيما» (1946) بجملة زمنية دقيقة تُثبّت اللحظة قبل أن تُطلق الحدث: دقيقة وساعة وتاريخ ومكان. هذه الدقة لا تُستخدم هنا للمعلومة، بل لضبط السرد؛ كأن القصة لن تتحرّك إلا داخل هذا الإطار الضيّق. بعد ذلك مباشرة، لا ينتقل إلى القنبلة، بل إلى فعل إنساني صغير وغير مكتمل: امرأة جلست لتوّها وأدارت رأسها لتتكلّم. الفعل ناقص عمداً، والجملة لا تُغلق معناها، لأن ما سيقع بعد لحظة سيكسر الزمن نفسه. يكرّر هيرسي الصيغة ذاتها مع شخصيات أخرى: «في اللحظة نفسها كان… وكانت…»، فيبني تزامناً أفقياً لا بطلاً مركزياً له. بهذه التقنية، تُلغى مركزية الحدث، ويُعاد توزيع المعنى على بشر متجاورين لا يعرفون أنهم داخل التاريخ. القنبلة تُذكر بوصفها ظرفاً يحيط باللقطات، لا ذروة تتقدّمها. الكاتب يختفي تماماً: لا رأي، لا توصيف أخلاقي، لا تعليق. هذا الاختفاء ليس حياداً، بل اختيار تقني صارم يجعل القارئ يختبر الكارثة من مستوى الحياة اليومية قبل أن يراها كحقيقة تاريخية. هنا تغيّرت الصحافة: من تفسير ما حدث، إلى بناء مشهد يُجبر القارئ على أن يرى:
في تمام الثامنة وخمس عشرة دقيقة من صباح السادس من آب/أغسطس 1945، بتوقيت اليابان، وفي اللحظة نفسها التي لمع فيها وهجُ القنبلة الذرية فوق هيروشيما، كانت توشيكو ساساكي، الموظَّفة في قسم شؤون العاملين في مصنع «إيست إيجا تين ووركس»، قد جلست للتوّ إلى مكتبها في المصنع، وأدارت رأسها لتخاطب الفتاة الجالسة إلى المكتب المجاور. في اللحظة ذاتها كان الدكتور ماساكازو فوجي يجلس متربّعاً في شرفة مستشفاه الخاص، المطلة على أحد الأنهار السبعة الدلتاوية التي تقسم هيروشيما، يقرأ جريدة «أوساكا أساهي»؛ وكانت السيدة هاتسيو ناكامورا، أرملة خياط، تقف عند نافذة مطبخها تراقب جاراً يهدم بيته لأنه يقع في مسار ممرّ مخصّص للدفاعات المضادّة للغارات الجوية؛ وكان الأب فيلهلم كلاينزورغه، الكاهن الألماني من رهبانية اليسوعيين، يستلقي بملابسه الداخلية على سرير في الطابق العلوي من بيت الرهبانية المكوّن من ثلاثة طوابق، يطالع مجلّة يسوعية بعنوان «شتيمِن دير تسايت»؛ وكان الدكتور تيروفومي ساساكي، الطبيب الشاب في القسم الجراحي بالمستشفى الحديث الكبير التابع للصليب الأحمر، يسير في أحد ممرّات المستشفى حاملاً عيّنة دم لإجراء اختبار «فاسرمان» (للكشف عن مرض الزهري؛)؛ وكان القسّ كييوشي تاني موتو، راعي الكنيسة الميثودية في هيروشيما، قد توقّف عند باب منزل رجل ثريّ في حي «كوي»، في الضاحية الغربية للمدينة، يستعد لتفريغ حمولة عربة يدوية محمّلة بأشياء كان قد أخلاها من وسط المدينة خوفاً من غارة كبرى توقع الجميع أن تنفّذها طائرات B-29. قُتل مئة ألف إنسان بالقنبلة الذرية، وكان الستة من بين الناجين. ما زالوا إلى اليوم يتساءلون لماذا كُتبت لهم الحياة بينما مات غيرهم الكثير. كلّ واحد منهم يعزو نجاته إلى تفاصيل صغيرة من الصدفة أو التدبير: خطوة خُطِيَتْ في لحظة مناسبة؛ قرار بالدخول إلى مكانٍ مغلق؛ الصعود إلى عربة ترام معينة بدلاً من التي تليها… الآن، يعرف كلّ واحد منهم أنه، في فعل النجاة نفسه، عاش عشرات الحيوات، وشهد من الموت أكثر مما كان يظن أنه سيشهده في حياته كلّها. لكن في تلك اللحظة، لم يكن أحدٌ منهم يدرك شيئاً.
At exactly fifteen minutes past eight in the morning, on August 6, 1945, Japanese time, at the moment when the atomic bomb flashed above Hiroshima, Miss Toshiko Sasaki, a clerk in the personnel department of the East Asia Tin Works, had just sat down at her place in the plant office and was turning her head to speak to the girl at the next desk. At that same moment, Dr. Masakazu Fujii was settling down cross-legged to read the Osaka Asahi on the porch of his private hospital, overhanging one of the seven deltaic rivers which divide Hiroshima; Mrs. Hatsuyo Nakamura, a tailor’s widow, stood by the window of her kitchen, watching a neighbor tearing down his house because it lay in the path of an air-raid-defense fire lane; Father Wilhelm Kleinsorge, a German priest of the Society of Jesus, reclined in his underwear on a cot on the top floor of his order’s three-story mission house, reading a Jesuit magazine, Stimmen der Zeit; Dr. Terufumi Sasaki, a young member of the surgical staff of the city’s large, modern Red Cross Hospital, walked along one of the hospital corridors with a blood specimen for a Wassermann test in his hand; and the Reverend Mr. Kiyoshi Tanimoto, pastor of the Hiroshima Methodist Church, paused at the door of a rich man’s house in Koi, the city’s western suburb, and prepared to unload a handcart full of things he had evacuated from town in fear of the massive B-29 raid which everyone expected Hiroshima to suffer. A hundred thousand people were killed by the atomic bomb, and these six were among the survivors. They still wonder why they lived when so many others died. Each of them counts many small items of chance or volition—a step taken in time, a decision to go indoors, catching one streetcar instead of the next—that spared him. And now each knows that in the act of survival he lived a dozen lives and saw more death than he ever thought he would see. At the time, none of them knew anything.
لم يتوقف أثر «هيروشيما» عند حدود «ذا نيويوركر» التي تغيرت مع هذا النص وإلى الأبد. النص أعاد تعريف ما يمكن أن يكونه العمل الصحفي الطويل: تقرير بلا صوت خطابي، بلا افتتاح سياسي، وبلا خاتمة تفسيرية، يعتمد السرد المتراكم والمشهد الإنساني المتتابع. بعده، لم يعد ممكناً النظر إلى الصحافة الجادة بوصفها مجرّد نقل للوقائع، بل بوصفها بناءً سردياً له إيقاعه وبنيته ومسؤوليته اللغوية. أحد الذين تلقّوا هذا التحوّل مبكراً كان ترومان كابوتي. دخل كابوتي المجلة في سن السابعة عشرة صبيَّ مكتب، لا كاتباً، وكان معروفاً حينها بسلوكه المشاغب ودخوله في مماحكات داخل المؤسسة، لا بانضباطه. لكنه كان يقرأ كل ما يُنشر، ويكتب على الهامش، ويقلّد، ويجرّب. في هذا المناخ، وتحت رئاسة التحرير الهادئة لـ وليام شون، لم تُعامَل الموهبة بوصفها حالة يجب تهذيبها سريعاً، بل بوصفها طاقة تحتاج وقتاً. انتبه شون إلى ما لدى كابوتي من حسّ سردي غير مألوف، لا يشبه هيرسي، لكنه يبدأ من حيث انتهى: من الإيمان بأن الصحافة يمكن أن تُكتب كما لو كانت أدباً، شرط ألا تتخلّى عن الواقع:
تقع قرية "هولكومب" على الهضاب القمحية المرتفعة في غرب ولاية كنساس، في منطقة موحشة يصفها سكان الولاية الآخرون بقولهم: «هناك… في القفر». وعلى مسافة تقارب سبعين ميلاً شرق حدود كولورادو، يبدو الريف، بسماواته الزرقاء الشديدة وهوائه الصافي صفاءَ الصحراء، أقرب في أجوائه إلى الغرب الأقصى منها إلى الغرب الأوسط. اللهجة المحلية تتلوّن بغُنّة سكان المروج وخُنّة عمّال المزارع، ويرتدي الرجال، كثيرٌ منهم، سراويل رعاة البقر الضيقة، وقبعات «ستيتسون»، وأحذية عالية الكعب ذات أطراف مدببة. الأرض منبسطة، والمشاهد فيها مهيبة في اتساعها؛ فالخيول، وقطعان الأبقار، وتجمّع صوامع الحبوب البيضاء، التي ترتفع برشاقة تشبه رشاقة المعابد الإغريقية، تُرى من مسافات بعيدة، قبل أن يبلغها المسافر بزمن طويل.
The village of Holcomb stands on the high wheat plains of western Kansas, a lonesome area that other Kansans call "out there." Some seventy miles east of the Colorado border, the countryside, with its hard blue skies and desert-clear air, has an atmosphere that is rather more Far West than Middle West. The local accent is barbed with a prairie twang, a ranch-hand nasalness, and the men, many of them, wear narrow frontier trousers, Stetsons, and high-heeled boots with pointed toes. The land is flat, and the views are awesomely extensive; horses, herds of cattle, a white cluster of grain elevators rising as gracefully as Greek temples are visible long before a traveler reaches them.
حين افتتح كابوتي قصته «بدم بارد» (1959) التي نشرت بصورة حلقات في «ذا نيويوركر»، بوصف قرية هادئة قبل الجريمة، لم يكن يكرّر ما فعله هيرسي، بل ينقله إلى منطقة أخرى. هيرسي أبقى الكاتب خارج النص، بينما أدخل كابوتي السرد في منطق الرواية: المكان أولاً، ثم الترقّب، ثم الجريمة بوصفها نتيجة حتمية لتراكم صامت. بهذا النص، ثبّت كابوتي ما صار يُسمّى لاحقاً Non-Fiction أو «الرواية غير الخيالية»: وقائع حقيقية تُكتب بأدوات روائية كاملة. غير أن هذا التوسّع كان له ثمن. كابوتي لم يكتفِ ببناء المشهد، بل أعاد صياغته حين لم تكن التفاصيل متاحة؛ واعترف لاحقاً بأنه اختلق المشهد الأخير في القصة، لأنه؛ على حدّ قوله، كان «ضرورة سردياً». هنا: إلى أي حد يمكن للصحفي أن يذهب حين يكتب كروائي؟ شخصية كابوتي نفسها كانت جزءاً من هذا التوتّر: كاتب استعراضي، حساس، مختلف، لا يخفي حضوره، ولا صوته، على عكس هيرسي. هذا الصوت، بكل ما فيه من جرأة ومجازفة، فتح الباب أمام جيل آخر لن يكتفي بالكتابة الروائية للواقع، بل سيجعل الأسلوب نفسه موضوعاً للصدام؛ وهو الجيل الذي سيظهر مع توم وولف.
مع وولف يصل المسار إلى نقطة القطيعة العلنية. إذا كان هيرسي قد محا صوت الكاتب، وكابوتي قد أعاده بصيغة روائية محسوبة، فإن وولف جعل الصوت نفسه ساحة الصدام. في المادة التي كتبها وولف بعنوان «مومياوات صغيرة جداً» (1965) ونشرتها صحيفة «نيويورك هيرالد تريبيون»، وينتقد فيها عقلية التحرير في «ذا نيويوركر» ورئيس تحريرها وليام شون، لا يصف المؤسسة من الخارج، بل يخترقها من الداخل، ساخراً من طقوسها، ومفككاً سلطتها الأسلوبية (علماً أنه كان ينشر مواده فيها أحياناً):
لدى العاملين في مكاتب ذا نيويوركر، في 25 شارع ويست الثالث والأربعين، هوسٌ قهريّ بتدوين كل شيء كتابةً. هناك في الطابقين التاسع عشر والعشرين، حيث مكاتب التحرير، فِتيةٌ يكادون يرتطمون بعضهم ببعض عند المنعطفات العمياء في الممرات، طخّ! رأساً برأس كأنهم ثيران بيسون هرِمة، بسبب الحركة المحمومة في نقل المذكّرات المكتوبة جيئة وذهاباً. إنهم يسمّونهم ببساطة: «الفتيان».
«يا فتى، خذ هذا لو سمحت…»
في الواقع، كثيرٌ من هؤلاء الفِتية ليسوا فِتيةً على الإطلاق، بل رجالٌ مسنّون، يرتدون قمصاناً بياقاتٍ بيضاء مُنشّاة تلتوي أطرافها إلى الأعلى قليلاً، وربطات عنقٍ استعراضية تليق بغداء عمل، وستراتٍ صوفيةً بأزرار، ومعاطف سوداء فضفاضةً من نسيجٍ مجدول كالسلال، وهم في كل مكان، ينقلون آلاف الرسائل، بخطوات متثاقلة، يجرّون أقدامهم خلفهم؛ شيب–شوب، مثل مشية بيسون عجوز، على امتداد الممرات.
لقد كانوا فِتيةً حقاً حين بدأوا هذا العمل، غير أنّ المسألة هي أن ذا نيويوركر بلغت الأربعين من عمرها — تخيّل! أربعة عقود كاملة — وهم جميعاً يتمتعون بالأقدمية، تماماً ككمساري قطارات سكك حديد بنسلفانيا.
They have a compulsion in the New Yorker offices, at 25 West Forty-third Street, to put everything in writing. They have boys over there on the nineteenth and twentieth floors, the editorial offices, practically caroming off each other—bonk old bison heads! —at the blind turns in the hallways because of the fantastic traffic in memos. They just call them boys. "Boy, will you take this, please ..? " Actually, a lot of them are old men with starched white collars with the points curling up a little, "big lunch" ties, button-up sweaters, and black basket-weave sack coats, and they are all over the place transporting these thousands of messages with their kindly old elder bison shuffles shoop-shooping along. They were boys when they started the job, but the thing is, The New Yorker is forty years old-four decades, even, of The New Yorker! — and they all have seniority, like Pennsylvania Railroad conductors.
الجملة عند وولف لا تهدأ: تراكم وصفي طويل، مقاطَع صوتية («طخّ!»)، بشرطات اعتراضية، وقفزات إيقاعية، كأن النص نفسه يتصادم في الممرات كما يفعل «الفتيان». على مستوى البناء، لا يقدّم وولف صورة متماسكة دفعة واحدة، بل يكدّس التفاصيل فوق بعضها: أعمار، ملابس، حركات، أصوات، ثم يقلب المعنى بجملة واحدة تكشف المفارقة: هؤلاء «الفتيان» ليسوا فتياناً أصلاً. هنا، السخرية لا تأتي من النكتة، بل من إزاحة التسمية عن مسمّاها. هذا الأسلوب كان هجوماً مباشراً على ما رآه وولف «طقس الإخفاء» في «ذا نيويوركر»: محو الكاتب، تليين الجملة، كبح النبرة. خلافه مع المجلة لم يكن شخصياً بقدر ما كان أسلوبياً؛ وولف رأى أن ما بدأ كصرامة تحريرية تحوّل إلى تقليد مغلق، وأن ما فتحه هيرسي وكابوتي من إمكانات سردية صار يُدار بوصفه قانوناً لا يجوز كسره. بتضخيم الصوت، والمبالغة، والتكرار، وعلامات التعجب، أعاد وولف الجملة الصحفية إلى الواجهة بوصفها أداءً لا أداة محايدة. هنا لم تعد الصحافة تكتب كالأدب فقط، بل أصبحت واعية بأسلوبها، ومستعدة للاشتباك به.
يبدأ وولف بـ«هوسٌ قهريّ بتدوين كل شيء كتابةً» لا بوصفٍ محايد، بل بمصطلحٍ نفسيّ مشحون، يشدد على الجو في المكتب منذ الكلمة الأولى: ليست عادة مكتبية، بل هوس قهري. ثم يثبّت المكان بتثبيت العنوان: «في 25 شارع ويست الثالث والأربعين»، وكأنه يضع دبوساً على الخريطة قبل أن يفتح الباب. بعد ذلك يختار كلمة «فِتية» لأن الاسم نفسه جزء من السخرية، إذ سيقلبه فوراً إلى «رجالٌ مسنّون». في الجملة الثانية، المشهد يُصنع بحركة لا بوصف: «يكادون يرتطمون… عند المنعطفات العمياء»؛ كلمة «العمياء» ليست زخرفة، بل ملمح إلى أن المكان نفسه يفرض الإيقاع التحريري في المجلة. ثم تأتي «طخّ!» كضربة مكتوبة داخل الجملة: ليست تعليقاً بعديّاً، بل صوتاً يقتحم السرد، ويحوّله إلى كوميديا جسدية. وحين يقول «رأساً برأس كأنهم ثيران بيسون هرِمة» فهو لا يشبّههم بالبشر، بل بالحيوان الثقيل البطيء، ليجعل الحركة مضحكة ومؤلمة في آن. بعد ذلك يفسّر الازدحام بعبارة «الحركة المحمومة في نقل المذكّرات»؛ ثم يقطع الإيقاع بحوار قصير جداً: «يا فتى، خذ هذا…»؛ جملة قصيرة وسط تراكم طويل، وظيفتها أن تبرهن أن السخرية ليست من عند الكاتب فقط، بل من لغة المكان نفسها. وبعدها يفتح وولف عدسة مقرّبة على الملابس: «ياقات… منشّاة… تلتوي… ربطة عنق… استعراضية… معاطف… نسيج مجدول كالسلال»؛ سلسلة نعوت دقيقة تجعل «الزيّ» شارة طبقية وسلوكية، لا تفصيلاً بصرياً فحسب. وحين يصل إلى «يجرّون أقدامهم… شيب–شوب» يعود إلى الصوت مرة أخرى ليُبقي الحركة حيّة في أذن القارئ، ثم يختم بمفارقة زمنية: «ذا نيويوركر بلغت الأربعين… وهم جميعاً يتمتعون بالأقدمية»؛ كأن الممرّ الذي شاهدناه ليس حادثة عابرة، بل نظام كامل من الرتبة والسنّ والطقس، تراه في جرّ القدم قبل أن تقرأه في سياسة التحرير.
ما يجمع جون هيرسي، وترومان كابوتي، وتوم وولف ليس أنهم كتبوا في «ذا نيويوركر»، بل أنهم تعاملوا مع الجملة الأولى بوصفها قراراً أخلاقياً وتقنياً في آن. هيرسي قرر أن يختفي ليترك الإنسان يسبق الحدث، فكسر مركزية الخطاب الصحفي. كابوتي قرر أن يُبقي الواقع، لكنه يعيد ترتيبه روائياً، فوسّع حدود ما يمكن للصحافة أن تفعله، حتى وهو يدفعها إلى منطقة ملتبسة. وولف قرر أن يرفض «إخفاء» نفسه، وأن يجعل الأسلوب ظاهراً، صاخباً، متعمّداً، فحوّل الجملة إلى ساحة مواجهة. هذه التحوّلات الثلاثة لم تُلغِ ما قبلها، بل بنت عليه ثم تجاوزته، واحدة بعد الأخرى. وربما هنا يكمن سرّ بقاء «ذا نيويوركر» بعد مئة عام: ليست لأنها تحافظ على أسلوب واحد، بل لأنها سمحت للأسلوب بأن يُختبَر، ويُستكمَل، ويُكسَر من الداخل. بالنسبة إلى كاتب يقرأ هذا اليوم، الدرس ليس في تقليد هيرسي، ولا في محاكاة كابوتي، ولا في استعارة ضجيج وولف، بل في فهم أن الصحافة الجيّدة تبدأ دائماً من سؤال يسير وخطير: كيف أبدأ؟ لأن الطريقة التي تُفتَح بها الجملة الأولى، تفتح معها العالم كلّه.






