top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تنهي كلمة؟

تاريخ التحديث: 25 نوفمبر 2025

مارتن لوثر كينغ الابن
مارتن لوثر كينغ الابن
تحليل مقطع من خطاب مارتن لوثر كينغ الابن

حتى قبل أن تصبح لغتي الإنكليزية جيّدة، كنت أستمع إلى خطابات مارتن لوثر كينغ الابن، ليس لأنني كنت أدرك تماماً ما يقول، لكن الموسيقى التي تحملها، والإيقاع الذي يقودها، كانا كافيين لأشعر بما يقول. لقد كان خطيباً بارعاً بما يكفي للوصول إلى قلوب الناس قبل عقولهم، وقد فعل ذلك بخلطة نادرة من الأدوات والبلاغة.

في هذا الاقتباس من كلمة ألقاها في بلدة «سلما» في ولاية ألاباما عام 1965، يطرح كينغ الابن سؤالاً وجواباً بسيطين: «إلى متى؟» و«ليس طويلاً،» ويبني من خلالهما، خطوة بخطوة، الرسالة التي يريد أن يوصلها، ويبدأها بحقيقة بسيطة في أن «الأكاذيب لا تدوم» إلى أن يصل إلى الذروة والسلطة المطلقة في «مجد الرب». وفي كل خطوة يصعّد أكثر، ويقدم سبباً أقوى يفسّر فيه لماذا سينتصر العدل في النهاية، ويختتمها برؤية تَنْبُّئِيّةٍ عظيمة.

أدرك أنكم اليوم تتساءلون: إلى متى سيطول هذا الأمر؟..
إلى متى؟ ليس طويلاً؛ لأن الكذبة لا يمكن أن تعيش إلى الأبد. إلى متى؟ ليس طويلاً؛ فكما تزرع تحصد. إلى متى؟ ليس طويلاً؛ فالحقُّ يلفّه أبداً حبلُ المشنقة، والباطلُ يجلس أبداً على العرش، ومع ذلك فإن تلك المشنقة تهزّ المستقبل، ووراء المجهول المعتم يقف الله في الظل، يرقبُ خلقَه من علٍ ويحرسهم. إلى متى؟ ليس طويلاً؛ لأن دربَ ناموسِ الأخلاقِ شاق به منعطفات، لكنه يفضي في النهاية إلى العدل. إلى متى؟ ليس طويلاً؛ لأن عينيَّ قد أبصرتا مجد مجيء الرب.
I know you are asking today, “How long will it take? ..
How long? Not long, because “no lie can live forever.” How long? Not long, “you shall reap what you sow.” How long? Not long, truth forever on the scaffold, wrong forever on the throne, yet that scaffold sways the future, and, behind the dim unknown, standeth God within the shadow, Keeping watch above his own. How long? Not long, because the arc of the moral universe is long, but it bends toward justice. How long? Not long, because mine eyes have seen the glory of the coming of the Lord!

كل النصوص التي أطرحها، وأحاول أن أحللها، أواجه تحديات في الترجمة قد تأخذ ساعات، وأحياناً أياماً، إلى أن تخرج بهذه الصورة. وقد تتساءل لماذا لا أعتمد على الترجمات العربية، والجواب هو أنني أجدها في معظمها مخزية، لأنها في أحسن أحوالها، تُذْهِبُ الجمال الذي في النص الأصلي، هذا إنْ لم تكن خاطئة أصلاً.

في هذا الاقتباس اضطررت إلى الارتجال نوعاً ما بترجمة «arc» (بمعنى: منحنى) و«moral universe» (بمعنى: كون الأخلاق) في الجملة ما قبل الأخيرة، إلى: «دربَ ناموسِ الأخلاقِ شاق به منعطفات».

لكن من أين يستمد كينغ الابن أسلوبه البلاغي هذا؟ يستمده من أجواء الوعظ في كنائس الجنوب الأمريكي السوداء، فهي تعتمد على أسلوب الحوار، حيث يستجيب المصلون بصوت عالٍ للرسالة التي يلقيها الواعظ، بعكس الكنائس الأخرى التي يكون فيها الخطيب متكلّماً والمصلين صامتين. وفي تسجيل الفيديو أعلاه، تجد كيف يتفاعل الجمهور مع كينغ الابن.

فهذا الأسلوب القائم على السؤال والجواب يخلق تفاعلاً بين المتحدث ومستمعيه، وفيما بين المستمعين أنفسهم، ثم أن البناء التصاعدي القائم على التكرار، يجعل من المستمعين آذانٍ مصغية، فهي توحي للمستمعين بـ: أنْ انتبهوا، لأن ما يُقال مهم. 

ثمّ أن الإحالات التي يوردها كينغ الابن يضفي على كلامه ثقلاً، فمثلاً:

«إلى متى؟»

أخذها من مزامير النبي داود، لا سيما المزمور 13: 

لإِمَامِ الْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ
إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟ انْظُرْ وَاسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ إِلهِي. أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْتِ، لِئَلاَّ يَقُولَ عَدُوِّي: «قَدْ قَوِيتُ عَلَيْهِ». لِئَلاَّ يَهْتِفَ مُضَايِقِيَّ بِأَنِّي تَزَعْزَعْتُ. أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ. يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ. أُغَنِّي لِلرَّبِّ لأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ.

وعبارة:

«كما تحصد تزرع.»

أخذها من رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية الإصحاح (6) الآية (7):

لاَ تَضِلُّوا! اَللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضًا.

وعبارة:

الحقُّ يلفّه أبداً حبلُ المشنقة، والباطلُ يجلس أبداً على العرش، ومع ذلك فإن تلك المشنقة تهزّ المستقبل، ووراء المجهول المعتم يقف الله في الظل، يرقبُ خلقَه من علٍ ويحرسهم.

استمدها من قصيدة لـ جيمس راسل لويل، أحد المناضلين ضد العبودية، بعنوان «الأزمة الحالية».

وعبارة:

«دربَ ناموسِ الأخلاقِ شاق به منعطفات، لكنه يفضي في النهاية إلى العدل.»

أخذها من ثيودور باركر (1810-1860) الذي كان واعظاً ومصلحاً اجتماعياً أمريكياً، وأحد أبرز المناضلين ضد العبودية في القرن التاسع عشر. حيث يقول:

لا أدّعي أنني أدرك ناموسَ الأخلاق؛ فمساره شاق به منعطفات، ولا يبلغ بصري منه إلا قدراً يسيراً. ولئن كنتُ لا أقدر أن أحسب منعطفاته أو أن أستوفي صورته بما يمنحه لي مرانُ البصر، فإني أستطيعُ استبيانَه ببصيرة الضمير. ومما تكشّف لي، فأنا على يقينٍ أنه ينتهي إلى العدل.
I do not pretend to understand the moral universe; the arc is a long one, my eye reaches but little ways; I cannot calculate the curve and complete the figure by the experience of sight; I can divine it by conscience. And from what I see I am sure it bends towards justice.

وعبارة: 

«لأن عينيَّ قد أبصرتا مجد مجيء الرب»

فقد أخذها من «ترنيمة جمهوريتنا» كان يرددها الجنود الجمهوريون إبان الحرب الأهلية في أمريكا، وهي أيضاً تشير إلى المجيء الثاني للرب، أو عودة يسوع المسيح إلى الأرض.

إذاً، يستخدم كينغ هذه الهيكلية في بناء تصاعد النص:

  • فهو يقدم حقيقة بسيطة في «الكذبة لا يمكن أن تعيش إلى الأبد» (أو كما نقول شعبياً: حبل الكذب قصير).

  • ثم يقدم مبدأً  أخلاقياً «كما تزرع تحصد» (أو الجزاء من جنس العمل، القانون الطبيعي الذي يعرفه الناس)

  • ثم يقدم رؤية فلسفية مستمدة من راسل لويل وثيودور باركر «الحقُّ يلفّه أبداً حبلُ المشنقة، والباطلُ يجلس أبداً على العرش» و«دربَ ناموسِ الأخلاقِ شاق به منعطفات، لكنه يفضي في النهاية إلى العدل»

  • ثم يقدم نبوة إلهية «لأن عينيَّ قد أبصرتا مجد مجيء الرب»

ففي كل خطوة تزداد الكثافة العاطفية وقوة الإقناع، وتتحرك من العقل إلى الإيمان.

ثم أن التكرار «إلى متى؟ ليس طويلاً»، يحقق عدة  أشياء في آن واحد:

  • ضبط إيقاعي، يمنح الجمهور نمطاً يتوقعه.

  • تحرير عاطفي، لأن يجيب على اليأس بالأمل، مراراً وتكراراً

  • إلحاح متزايد،  كل تكرار يقول «وسبب آخر، وآخر...»

  • سهولة التذكر، الناس يتذكرون اللازمة الإيقاعية بسهولة

إذاً، إذا أردت إذا أردت أن تنتهي كلمتك بذروة تصاعدية، استلهم من أسلوب  كينغ الابن: خذ عبارة بسيطة، كررها بإيقاع متصاعد، وابنِ ما تريده إيصاله على على حقيقة بسيطة يتفق عليها الناس ثم اصعد به إلى ذروة تسمو بالأمل.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page