كيف تبني فكرة عميقة من جمل بسيطة؟
- رشاد عبد القادر

- 18 نوفمبر 2025
- 4 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 18 نوفمبر 2025


عندما قرأت أوّل مرة المقطع الذي سنتحدث عنه، لم أستطع إزاحته من ذهني طوال اليوم. وظل يراودني بين فترة وأخرى كشبح. ليس لأن فيه بلاغة، ولا لأن لغته غير اعتيادية، ولا لأنّه يحمل تركيباً استثنائياً؛ قوّته في بساطته. والبساطة تجعل القارئ شريكاً في خلق المعنى، وعندما يفعل القارئ ذلك يصبح شريكك في الكتابة. وهذا أقصى ما يسعى إليه الكاتب الجيد.
المقطع يبدو هامشياً في الرواية، لكن حين يُقرأ بعيونٍ يقظة سنكتشف أن الكاتب يضع فيه خلاصة رؤيته إلى العالم. وفيه تقف «أَوْمَامِه» أمام شبكات العناكب على درج مخرج طوارئ نادراً ما يُستخدم، في رواية «1Q84» الطموحة للروائي الياباني هاروكي موراكامي؛ مشهد صغير، لكنه يفتح باباً واسعاً نحو أسئلة الوعي والقدر وفنّ الكتابة نفسه.
بالنظر إلى شِباكِ العناكب العالقة به، يبدو أنّ درج مخرج الطوارئ نادرًا ما استُخدم. في كلِّ بيتٍ منها عنكبوتٌ سوداءُ صغيرة، جاثمةٌ تنتظر بصبرٍ قدومَ فريستها الضئيلة. ليس ذلك لأنّ العناكب تملك أدنى فكرة عن معنى «الصبر». فالعنكبوت لا تمتلك مهارةً تُذكر سوى نسجِ بيتها، ولا تعرف في حياتها سبيلاً آخر غير البقاء ساكنةً بلا حراك. تظلّ في موضعٍ بعينه تنتظر فريستها، إلى أن — بما تُمليه سُنّة الأشياء — تذوي وتموت. وهذا كلّه مُقدَّرٌ بحكم الجينات. فالعنكبوت لا يعتريها ارتباك، لا يتسرّب إليها يأس، لا تعرف ندماً. لا يساورها شكٌّ ميتافيزيقي، ولا تُبتلى بالالتباساتِ الأخلاقية.
Judging from the spiderwebs clinging to it, the emergency stairway was hardly ever used. To each web clung a small black spider, patiently waiting for its small prey to come along. Not that the spiders had any awareness of being “patient.” A spider had no special skill other than building its web, and no life style choice other than sitting still. It would stay in one place waiting for its prey until, in the natural course of things, it shriveled up and died. This was all genetically predetermined. The spider had no confusion, no despair, no regrets. No metaphysical doubt, no moral complications.
وهذا النص، بصفائه وبنائه المتدرّج، لا يقدّم وصفاً فحسب، بل يقدّم درساً في الكتابة أيضاً. وأول هذه الدروس:
التفاصيل الصغيرة هي البوابة الكبرى للمعنى
موراكامي لا يبدأ المقطع الذي تقف فيه «أَوْمَامِه» على عتبة عالمين بحكمةٍ معلّقة في الهواء، ولا بحدثٍ درامي، بل يبدأ بـ: شِباك عناكب على درج مهمل. هكذا ببساطة. لكن الصورة الصغيرة تتحوّل سريعاً إلى مرآة وجودية.
وهنا الدرس الأول:
ابحث عن التفاصيل التي يراها الجميع… ولا ينظر إليها أحد. فمن التفاصيل تُبنى الرموز، ومن الرموز يتشكّل المعنى.
الانتقال غير الملحوظ من الوصف إلى التأمل
لاحظ كيف يتدرّج المقطع:
وصف بصري دقيق
«بالنظر إلى شِباك العناكب العالقة به، يبدو أنّ درج مخرج الطوارئ نادراً ما استُخدم.»
هنا يبدأ المشهد بصورة ملموسة: درج، شِباك، وعزلة.
ثم ملاحظة بيولوجية
«في كلِّ بيتٍ منها عنكبوتٌ سوداءُ صغيرة، جاثمةٌ تنتظر بصبرٍ قدومَ فريستها الضئيلة.»
من الصورة إلى السلوك.
ثم تحليل لطبيعة السكون
«فالعنكبوت لا تمتلك مهارةً تُذكر سوى نسجِ بيتها…»
هنا ينتقل النص من الملاحظة إلى الفهم.
ثم قفزة هادئة إلى سؤال الوعي
«ليس ذلك لأنّ العناكب تملك أدنى فكرة عن معنى "الصبر".»
فجأة نسأل: هل هي واعية؟
ثم مقولة فلسفية عن القدر
«إلى أن — بما تُمليه سُنّة الأشياء — تذوي وتموت. وهذا كلّه مُقدَّر بحكم الجينات.»
هنا يصل النص إلى ذروة الحتمية الهادئة. دون أن ننتبه أين انتهى الوصف وبدأت الفلسفة.
وهذا الأسلوب يعلّمنا درساً جوهرياً، وهو الثاني:
دع الفكرة تولد من الصورة، لا من الشرح — Show, don’t tell.
قوة اللغة البسيطة
الجمل قصيرة، محايدة، بلا تشخيص:
«لا تعرف ندماً»
«لا يتسرّب إليها يأس»
«لا يساورها شكٌّ ميتافيزيقي»
هذه البساطة ليست فقراً لغوياً، بل إستراتيجية تُتيح للمعنى أن يتقدّم وحده. فاللغة الشفافة تفسح المجال لعين القارئ كي ترى ما خلف الكلمات.
الدرس الثالث:
خفِّف لغتك… كي يثقل معنى نصّك.
البناء النفيّي: إيقاع المعنى
المقطع يعتمد سلسلة مترابطة:
«لا يعتريها ارتباك، لا يتسرّب إليها يأس، لا تعرف ندماً، لا يساورها شكٌّ…»
هذا الإيقاع يمنح النص موسيقى داخلية، ويبرز الفارق بين عالم الإنسان وعالم العنكبوت دون مقارنة مباشرة.
الدرس الرابع:
اصنع الإيقاع من بنية الجملة نحوياً، لا من الزخرفة.
المفارقة الهادئة: المعنى الذي يُقال بالصمت
النص لا يقول إن الإنسان مخلوق معقّد، لكنه يلمّح إلى ذلك من خلال نفي كل هذه التعقيدات عن العنكبوت. إنها مفارقة هادئة، لكنها حادّة في معناها.
الدرس الخامس:
لا تقل للقارئ ما يجب أن يفهمه… دعه يصل إليه وحده.
يُعدّ هاروكي موراكامي من أبرز الروائيين اليابانيين المعاصرين؛ صوته السردي يمزج بين الواقعي والمتخيل، واليوميّ والغرائبي، ويتأمل دائماً في الزمن والوعي والوحدة والذاكرة. ورواية 1Q84 التي صدرت عام (2009) من أكثر أعماله طموحاً وتعقيداً. تبدو في ظاهرها نسخة من طوكيو 1984، لكنّها تنزلق تدريجاً إلى عالم موازٍ، عامه ليس 1984 بل 1Q84 — حيث يحل الحرف Q محل الرقم 9. في اليابانية يُنطق كلاهما «كيو»، وهذا اللعب الصوتي يفتح الباب لعالم مرتبط بـ «1984» لجورج أورويل، ومفارق له في آن.
العلاقة هنا ظِلّ وصدى، لا إعادة كتابة.
في رواية أورويل
الحقيقة تُصنع سياسياً، والفرد يُسحق تحت رقابة شاملة.
في رواية موراكامي
الحقيقة تتقلقل طبيعياً، والفرد يواجه تشقّقاً هادئاً في نسيج الواقع.
أورويل يسأل:
من يملك السيطرة على الحقيقة؟
موراكامي يسأل:
كيف نعرف أن الحقيقة التي نراها… هي الحقيقة فعلاً؟
المشهد الذي حلّلناه ليس وصفاً لعنكبوت، بل طريقة موراكامي في القول إن العالم قد يبدأ بشبكة صغيرة على درج مهمل، وينتهي بمساحة كاملة من الأسئلة حول الوعي والقدر والوجود.
وهذا هو جوهر الكتابة الجميلة: أن تجعل من التفاصيل المهملة، ما يكون مدخلاً لأسئلة لا تنتهي.






