top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف تبني فكرة عميقة من جمل بسيطة؟

تاريخ التحديث: 18 نوفمبر 2025

هاروكي موراكامي
هاروكي موراكامي
تحليل مقطع من رواية "1Q84" لـ هاروكي موراكامي

عندما قرأت أوّل مرة المقطع الذي سنتحدث عنه، لم أستطع إزاحته من ذهني طوال اليوم. وظل يراودني بين فترة وأخرى كشبح. ليس لأن فيه بلاغة، ولا لأن لغته غير اعتيادية، ولا لأنّه يحمل تركيباً استثنائياً؛ قوّته في بساطته. والبساطة تجعل القارئ شريكاً في خلق المعنى، وعندما يفعل القارئ ذلك يصبح شريكك في الكتابة. وهذا أقصى ما يسعى إليه الكاتب الجيد.


المقطع يبدو هامشياً في الرواية، لكن حين يُقرأ بعيونٍ يقظة سنكتشف أن الكاتب يضع فيه خلاصة رؤيته إلى العالم. وفيه تقف «أَوْمَامِه» أمام شبكات العناكب على درج مخرج طوارئ نادراً ما يُستخدم، في رواية «1Q84» الطموحة للروائي الياباني هاروكي موراكامي؛ مشهد صغير، لكنه يفتح باباً واسعاً نحو أسئلة الوعي والقدر وفنّ الكتابة نفسه.

بالنظر إلى شِباكِ العناكب العالقة به، يبدو أنّ درج مخرج الطوارئ نادرًا ما استُخدم. في كلِّ بيتٍ منها عنكبوتٌ سوداءُ صغيرة، جاثمةٌ تنتظر بصبرٍ قدومَ فريستها الضئيلة. ليس ذلك لأنّ العناكب تملك أدنى فكرة عن معنى «الصبر». فالعنكبوت لا تمتلك مهارةً تُذكر سوى نسجِ بيتها، ولا تعرف في حياتها سبيلاً آخر غير البقاء ساكنةً بلا حراك. تظلّ في موضعٍ بعينه تنتظر فريستها، إلى أن — بما تُمليه سُنّة الأشياء — تذوي وتموت. وهذا كلّه مُقدَّرٌ بحكم الجينات. فالعنكبوت لا يعتريها ارتباك، لا يتسرّب إليها يأس، لا تعرف ندماً. لا يساورها شكٌّ ميتافيزيقي، ولا تُبتلى بالالتباساتِ الأخلاقية.
Judging from the spiderwebs clinging to it, the emergency stairway was hardly ever used. To each web clung a small black spider, patiently waiting for its small prey to come along. Not that the spiders had any awareness of being “patient.” A spider had no special skill other than building its web, and no life style choice other than sitting still. It would stay in one place waiting for its prey until, in the natural course of things, it shriveled up and died. This was all genetically predetermined. The spider had no confusion, no despair, no regrets. No metaphysical doubt, no moral complications.

وهذا النص، بصفائه وبنائه المتدرّج، لا يقدّم وصفاً فحسب، بل يقدّم درساً في الكتابة أيضاً. وأول هذه الدروس:


التفاصيل الصغيرة هي البوابة الكبرى للمعنى

موراكامي لا يبدأ المقطع الذي تقف فيه «أَوْمَامِه» على عتبة عالمين بحكمةٍ معلّقة في الهواء، ولا بحدثٍ درامي، بل يبدأ بـ: شِباك عناكب على درج مهمل. هكذا ببساطة. لكن الصورة الصغيرة تتحوّل سريعاً إلى مرآة وجودية.


وهنا الدرس الأول:

ابحث عن التفاصيل التي يراها الجميع… ولا ينظر إليها أحد. فمن التفاصيل تُبنى الرموز، ومن الرموز يتشكّل المعنى.


الانتقال غير الملحوظ من الوصف إلى التأمل

لاحظ كيف يتدرّج المقطع:

  • وصف بصري دقيق

«بالنظر إلى شِباك العناكب العالقة به، يبدو أنّ درج مخرج الطوارئ نادراً ما استُخدم.»

هنا يبدأ المشهد بصورة ملموسة: درج، شِباك، وعزلة.


  • ثم ملاحظة بيولوجية

«في كلِّ بيتٍ منها عنكبوتٌ سوداءُ صغيرة، جاثمةٌ تنتظر بصبرٍ قدومَ فريستها الضئيلة.»

من الصورة إلى السلوك.


  • ثم تحليل لطبيعة السكون

«فالعنكبوت لا تمتلك مهارةً تُذكر سوى نسجِ بيتها…»

هنا ينتقل النص من الملاحظة إلى الفهم.


  • ثم قفزة هادئة إلى سؤال الوعي

«ليس ذلك لأنّ العناكب تملك أدنى فكرة عن معنى "الصبر".»

فجأة نسأل: هل هي واعية؟


  • ثم مقولة فلسفية عن القدر

«إلى أن — بما تُمليه سُنّة الأشياء — تذوي وتموت. وهذا كلّه مُقدَّر بحكم الجينات.»

هنا يصل النص إلى ذروة الحتمية الهادئة. دون أن ننتبه أين انتهى الوصف وبدأت الفلسفة.


وهذا الأسلوب يعلّمنا درساً جوهرياً، وهو الثاني:

دع الفكرة تولد من الصورة، لا من الشرح — Show, don’t tell.


قوة اللغة البسيطة

الجمل قصيرة، محايدة، بلا تشخيص:

«لا تعرف ندماً»
«لا يتسرّب إليها يأس»
«لا يساورها شكٌّ ميتافيزيقي»

هذه البساطة ليست فقراً لغوياً، بل إستراتيجية تُتيح للمعنى أن يتقدّم وحده. فاللغة الشفافة تفسح المجال لعين القارئ كي ترى ما خلف الكلمات.


الدرس الثالث:

خفِّف لغتك… كي يثقل معنى نصّك.


البناء النفيّي: إيقاع المعنى

المقطع يعتمد سلسلة مترابطة:

«لا يعتريها ارتباك، لا يتسرّب إليها يأس، لا تعرف ندماً، لا يساورها شكٌّ…»

هذا الإيقاع يمنح النص موسيقى داخلية، ويبرز الفارق بين عالم الإنسان وعالم العنكبوت دون مقارنة مباشرة.


الدرس الرابع:

اصنع الإيقاع من بنية الجملة نحوياً، لا من الزخرفة.


المفارقة الهادئة: المعنى الذي يُقال بالصمت

النص لا يقول إن الإنسان مخلوق معقّد، لكنه يلمّح إلى ذلك من خلال نفي كل هذه التعقيدات عن العنكبوت. إنها مفارقة هادئة، لكنها حادّة في معناها.


الدرس الخامس:

لا تقل للقارئ ما يجب أن يفهمه… دعه يصل إليه وحده.


يُعدّ هاروكي موراكامي من أبرز الروائيين اليابانيين المعاصرين؛ صوته السردي يمزج بين الواقعي والمتخيل، واليوميّ والغرائبي، ويتأمل دائماً في الزمن والوعي والوحدة والذاكرة. ورواية 1Q84 التي صدرت عام (2009) من أكثر أعماله طموحاً وتعقيداً. تبدو في ظاهرها نسخة من طوكيو 1984، لكنّها تنزلق تدريجاً إلى عالم موازٍ، عامه ليس 1984 بل 1Q84 — حيث يحل الحرف Q محل الرقم 9. في اليابانية يُنطق كلاهما «كيو»، وهذا اللعب الصوتي يفتح الباب لعالم مرتبط بـ «1984» لجورج أورويل، ومفارق له في آن.

العلاقة هنا ظِلّ وصدى، لا إعادة كتابة.


في رواية أورويل

الحقيقة تُصنع سياسياً، والفرد يُسحق تحت رقابة شاملة.


في رواية موراكامي

الحقيقة تتقلقل طبيعياً، والفرد يواجه تشقّقاً هادئاً في نسيج الواقع.


أورويل يسأل:

من يملك السيطرة على الحقيقة؟


موراكامي يسأل:

كيف نعرف أن الحقيقة التي نراها… هي الحقيقة فعلاً؟


المشهد الذي حلّلناه ليس وصفاً لعنكبوت، بل طريقة موراكامي في القول إن العالم قد يبدأ بشبكة صغيرة على درج مهمل، وينتهي بمساحة كاملة من الأسئلة حول الوعي والقدر والوجود.

وهذا هو جوهر الكتابة الجميلة: أن تجعل من التفاصيل المهملة، ما يكون مدخلاً لأسئلة لا تنتهي.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page