كيف تكتب ضد «اللا مبالاة»؟
- رشاد عبد القادر

- 17 ديسمبر 2025
- 7 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 17 ديسمبر 2025


لم يعش سوى 46 عاماً، عندما أنهى حياته عام 2008 بالانتحار، بعد توقفه عمداً عن تناول أدوية الاكتئاب التي داوم عليها منذ باكورة شبابه. حياته ككاتب كانت صاخبة مدّاً وجذراً، تماماً كما كانت حياته الشخصية؛ مع ذلك، ترك أثراً في كل قطعة كتبها، ولا يهم إن كانت رواية، أو مذكرة، أو مسوّدة، أو مقابلة، أو مقالاً صحفياً، أو حتى كلمة ألقاها في حفل تخرج للطلاب. الرجل كان، وبحق، استثنائياً.
قد يبدو الأسلوب الذي يكتب به ديفيد فوستر والاس، للقارئ الذي يلتقيه أوّل مرة، أن فيه مغالاة، متعباً؛ بجمل طويلة، جمل اعتراضية، جمل محشورة، وتفاصيل أكثر من اللازم أحياناً. لكن، سرعان ما يتبدد هذا الانطباع بمعرفة لماذا يكتب بهذا الأسلوب.
ينتمي والاس إلى جيل كُتّاب ظهروا في أمريكا الثمانينيات والتسعينيات في مرحلة ما بعد الحداثة المتأخرة، وكان المشهد الأدبي حينها مشبعاً بالكتابة الساخرة، الشكلية، التفكيكية؛ الكتابة الباردة، التي لا تدفع القارئ إلى الانخراط العاطفي.
والاس الذي كان مهووساً بالرياضيات (وله كتاب فيها)، والفلسفة واللغة، قال دائماً إن: الخطر ليس في الابتذال، بل في اللامبالاة. لذلك حاول في أسلوبه أن يلامس «الوعي» المعاصر كما هو: الوعي المشتت، المتخم بالمعلومات، المحاصر بالإعلانات، الغارق في الخيارات الفائضة عن الحاجة، والباحث -نتاج ذلك كله- عن معنى.
فالجملة عنده طويلة؛ لأن التفكير في عصرنا متشعب، والتفاصيل كثيرة؛ لأن العالم به فيض، والجملة الاعتراضية، الهامشية، تظهر، لأن إدراكنا للعالم من حولنا لم يعد خطيّاً. وعلى القارئ في أثناء قراءته، أن يختبر العبء ذاته الذي يختبره الإنسان المعاصر.
كتابة والاس فعل مقاومة؛ مقاومة السرعة، مقاومة الاختصار، مقاومة الراحة، مقاومة الاستهلاك السهل للنص. كتابته تجبر القارئ على أن يبطئ، أن يتوقف، أن يعيد الجملة. كان بحق مفكر يكتب، لا كاتباً يفكر؛ فالجملة عنده صراع عقلي، محاولة للإمساك بالفكرة قبل أن تنفلت، ودفع مقابل ذلك ثمناً نفسياً باهظاً.
عانى والاس منذ شبابه من اكتئاب حاد، استمر معه طوال حياته. خضع للعلاج النفسي، وأقام في مصحات نفسية، وتناول أدوية مضادة للاكتئاب لسنوات، وهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل مفتاحاً لفهم شخصيته، ومن ثم كتابته.
كان يدرك وعلى نحو مؤلم الفراغ الذي يولّده الاستهلاك، وأن «الترفيه» زيف، أن التبسيط كاذب، وأن السخرية تختبئ وراءها العزلة في عالم يطالبك دائماً أن تكون «مرحاً». وكانت كتاباته تقاوم دوماً «اللا مبالاة»، ولا تختبئ خلف البلاغة، لذلك هي طويلة، ومتعبة، ومليئة بالالتفافات.
حتى عندما يلجأ إلى التقشف Minimalism في الكتابة والاقتصاد فيها، تجد أنه يفاجئك. لنأخذ هذا المقطع من مقالته «تأمّل الكَرْكَنْد»:
الخلاصة أنّ الكركند، في الأساس، ليس سوى حشرةٍ بحريةٍ عملاقة. وكمعظم مفصليات الأرجل، يعود وجوده إلى العصر الجوراسي؛ وهو، من الناحية البيولوجية، أقدم بكثير من الثدييات، إلى درجة أنّه قد يكون؛ ولا مبالغة في ذلك، آتياً من كوكبٍ آخر. ثم إن شكله ليس مريحاً للنظر، ولا سيما في حالته الطبيعية ذات اللون البنيّ المخضرّ، وهو يلوّح بمخالبه كأنها أسلحة، وتهتزّ قرون استشعاره السميكة كالسياط. وصحيحٌ أيضًا أنّه يُعدّ من زبّالي البحر، يقتات على البقايا والأشياء الميتة، وإن كان لا يتردّد كذلك في التهام بعض الرخويات الحيّة، وأنواع معيّنة من الأسماك المصابة، وأحياناً أفراداً من جنسه.
The point is that lobsters are basically giant sea-insects. Like most arthropods, they date from the Jurassic period, biologically so much older than mammalia that they might as well be from another planet. And they are-particularly in their natural brown-green state, brandishing their claws like weapons and with thick antennae a whip-not nice to look at. And it's true that they are garbagemen of the sea, eaters of dead stuff, although they'll also eat some live shellfish, certain kinds of injured fish, and sometimes each other.
انظر كيف يلفت الأنظار منذ البداية:
الخلاصة أنّ الكركند، في الأساس، ليس سوى حشرةٍ بحريةٍ عملاقة.
ففي مخيلة القارئ أن الكركند طعام فاخر، لكنه يقدمه هنا، ويختزله في «حشرةٍ بحريةٍ عملاقة»، ويكسر عمداً الصورة الذهنية عنه.
بعد هذه الصدمة الأولى، يهدّئ والاس الإيقاع. ينتقل إلى لغة بيولوجية باردة: العصر الجوراسي، الأسبقية الزمنية على الثدييات، الفارق التطوري الهائل. يدخل القارئ، بعد المفاجأة، منطقة تفسير علمي، شبه محايدة.
ثم يعيد والاس اللعب بالصورة التي نحتفظ بها عن «الكركند الفاخر» عبر وصف جسدي غير مريح: اللون البنيّ المخضرّ، المخالب التي تُلوَّح كأسلحة، قرون الاستشعار التي تهتزّ كالسياط. يقول كل شيء بنبرة هادئة، ومن دون انفعال.
ثم تأتي الجملة الأخيرة في الفقرة، الصدمة المؤجَّلة:
لا يتردّد كذلك في التهام بعض الرخويات الحيّة، وأنواع معيّنة من الأسماك المصابة، وأحيانًا أفرادًا من جنسه.
هذه الجملة قصيرة نسبياً، بلا تعليق أخلاقي، وبلا تفسير إضافي. قوتها لا تكمن في المعلومة وحدها، بل في تأخيرها، وفي وضعها في نهاية الفقرة، حيث لا شيء بعدها يخفّف وقعها.
ما يفعله والاس هنا ليس تقشّفاً بمعنى الاختصار، بل تقشّفًا في المسار. كل جملة تؤدّي وظيفة محدّدة: صدمة، تهدئة، تشويه، ثم قفلة مزعجة.
وما ينبغي أن يتعلمه الكاتب: القوة ليست في إيجاز الكلمات، بل في ترتيبها، وفي معرفة أين تبدأ الفقرة، وأين يجب أن تنتهي.
في مقطع آخر من المقالة نفسها، ينتقل والاس إلى النقيض (ظاهرياً). فقرة طويلة، مليئة بالتفاصيل، عن «مهرجان مَيْنْ للكركند». في هذا المقطع وحده، يورد الكاتب 36 تفصيلة: منها 16 تفصيلة عامة، و16 أخرى محدّدة بالأسماء، و4 تفصيلات بأرقام: (حفلات موسيقية، مسابقات، استعراضات، أطعمة، أكشاك، أكبر قدر في العالم، أوزان، مواقع إلكترونية، ألعاب، قمصان، قبعات بمخالب ذات نوابض).
هذه ليست مغالاة Maximalism عشوائية. التراكم هنا يعمل بوصفه محاكاة للتجربة نفسها. القارئ، وهو يمرّ عبر هذا السيل من التفاصيل، يبدأ بالشعور بالفيض المفرط للعالم من حوله، بالضجيج، وبشيء من الإرهاق. ويتحول الاحتفال تدريجياً، من مناسبة بهيجة إلى آلة ضخمة، تعمل بكفاءة، وتنتج المتعة كما تُنتَج أي سلعة أخرى.
المغالاة هنا ليست استعراضاً لغوياً، بل خياراً واعياً، يريد والاس أن يشعر القارئ بما يشعر هو به، لا أن يكتفي بمعرفة ما يحدث:
السياحة والكركند هما الصناعتان الرئيستان في منطقة الساحل الأوسط، وكلتاهما (وهذه نقطة لا يمكن إغفالها) نشاطان موسميان يرتبطان ارتباطاً مباشراً بالطقس الدافئ. ومع ذلك، فإن «مهرجان مَيْنْ للكركند» لا يمثّل، على وجه الدقّة، تقاطعاً طبيعياً بين هاتين الصناعتين، بقدر ما يمثّل تصادماً مقصودًا بينهما؛ تصادماً مُدبَّراً، بهيجاً، مربحاً، وصاخباً (إلى درجة يصعب معها الفصل بين الاحتفال والتسويق.) أمّا موضوع هذا المقال الخاص بمجلة «Gourmet» فهو الدورة الـ56 من «مهرجان مَيْنْ للكركند»، الذي أُقيم في الفترة من 30 تموز/يوليو إلى 3 آب/أغسطس 2003، وكان شعاره الرسمي هذا العام: «فنارات، ضحك، وكركند». وقد تجاوز عدد الزائرين الذين اشتروا تذاكر الدخول حاجز الـ100،000، وهو رقم يُعزى جزئياً إلى تقرير بثّته شبكة «سي إن إن» في حزيران/يونيو، أشاد فيه أحد كبار محرري مجلة «فوود آند واين» بالمهرجان بوصفه واحداً من أفضل الاحتفاليات بالطعام في العالم. ووفق برنامج مهرجان 2003، شملت الفعاليات حفلات موسيقية لكلٍّ من «لي آن وومَك» وفرقة «أورليانز»، ومسابقة جمال «إلهة بحر مَيْنْ» السنوية، والاستعراض الكبير يوم السبت، وسباق «ويليام د. أتوود» للركض فوق الصناديق العائمة يوم الأحد، ومسابقة الطهاة الهواة السنوية، وألعاب الملاهي المختلفة وأكشاك الطعام. إضافة إلى خيمة الأكل الرئيسة التابعة للمهرجان، حيث يُستهلك ما يزيد على 25000 رطل من كركند مَيْنْ الطازج بعد طهوه في «أكبر قدر لطهي الكركند في العالم»، القائم قرب المدخل الشمالي لأرض المهرجان. وإلى جانب ذلك، تتوافر أصناف متعددة، من بينها رول الكركند، وفطائر الكركند، وسوتيه الكركند، وسلطة كركند «داون إيست»، وحساء البسك بالكركند، ورافيولي الكركند، ودمبلنغ الكركند المقلي جيداً. أمّا كركند «ثيرميدور» فيُقدَّم في مطعم يحمل اسم «اللؤلؤة السوداء» على رصيف هاربر بارك الشمالي الغربي. وهناك كذلك مقصورة كبيرة مشيّدة بالكامل من خشب الصنوبر، ترعاها «هيئة الترويج لكركند مَيْنْ»، وتُقدَّم فيها كتيّبات مجانية تحتوي على وصفات، ونصائح للأكل، وما يُسمّى «معلومات مثيرة عن الكركند». وقد أعدّ الفائز في مسابقة الطهي للهواة يوم الجمعة طبق «الكركند بالزعفران والرَّمكين»، وأُتيحت الوصفة للجمهور على موقع www.mainelobsterfestival.com. وتُباع في أرجاء المهرجان قمصان تحمل صور الكركند، ودمى كركند برؤوس هزّازة، وألعاب كركند مطاطية للسباحة، وقبعات كركند تُثبَّت بالمشبك، مزوّدة بمخالب قرمزية ضخمة تهتزّ على نوابض. وقد شاهد مراسلُكم المكلّف بإعداد هذا التقرير كلَّ ذلك، بصحبة صديقةٍ واحدة، ووالديه كليهما؛ وكان أحد هذين الوالدين قد وُلد في ولاية مَيْنْ ونشأ فيها؛ وإن كان ذلك في أقصى شمالها الداخلي، في مناطق زراعة البطاطا (وهو جزء من الولاية يُعدّ، من حيث الطابع والمزاج) عالماً مختلفاً تماماً عن الساحل الأوسط ذي النزعة السياحية.
"Tourism and lobster are the midcoast region's two main industries, and they're both warm-weather enterprises, and the Main Lobster Festival represents less an intersection of the industries than a deliberate collision, joyful and lucrative and loud. The assigned subject of this Gourmet article is the 56th Annual MLF, 30 July-3 August 2003, whose official theme this year was "Lighthouses, Laughter, and Lobster." Total paid attendance was over 100,000, due partially to a national CNN spot in June during which a senior editor of Food & Wine magazine hailed the MLF as one of the best food-themes galas in the world. 2003 festival highlights: concerts by Lee Ann Womack and Orleans, annual Maine Sea Goddess beauty pageant, Saturday's big parade, Sunday's William D. Atwood Memorial Crate Race, annual Amateur Cook Competition, carnival rides and midway attractions and food booths, and the MLF's Main Eating Tent, where something over 25,000 pound of fresh-caught Maine lobster is consumed after preparation in the World's Largest Lobster Cooker near the grounds' north entrance. Also available are lobster rolls, lobster turnovers, lobster sauté, Down East lobster salad, lobster bisque, lobster ravioli, and deep-fried lobster dumplings. Lobster thermidor is obtainable at a sit-down restaurant called the Black Pearl on Harbor Park's northwest wharf. A large all-pine booth sponsored by the Main Lobster Promotion Council has free pamphlets with recipes, eating tips, and Lobster Fun Facts. The winner of Friday's Amateur Cooking Competition prepares Saffron Lobster Ramekins, the recipe for which is now available for public downloading at www.mainelobsterfestival.com. There are lobster T-shirts and lobster bobblehead dolls and inflatable lobster pool toys and clamp-on lobster hats with big scarlet claws that wobble on springs. Your assigned correspondent saw it all, accompanied by one girlfriend and both his own parents - one of which parents was actually born and raised in Maine, albeit in the extreme northern inland part, which is potato country and a world away from the touristic midcoast."
إذاً، التقشّف (الإيجاز، الاختصار) والمغالاة (الإسهاب) الأسلوبيّين ليسا نقيضين، بل أداتين. والاس يستخدم الجملة القصيرة حين يحتاج إلى خلق صدمة محددة، ويستخدم الجملة الطويلة حين يريد خلق أثر تراكمي. الأسلوب، هنا، تابع للغرض، لا العكس.
الأسلوب، هنا، ليس هوية ثابتة، بل اختيار عملي. السؤال ليس: «هل أكتب جملة قصيرة أم طويلة؟» بل: «ما الأثر الذي أريده من هذه الفقرة؟»






