top of page

مِمّا قرأت

تعلّم  كيف تُوصِل النقاط معاً
من بعض أفضل الكتابات في العالم

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كيف «تختفي» عندما تكتب؟

تاريخ التحديث: 20 نوفمبر 2025

براندون ستانتون
براندون ستانتون
تحليل منشور من هويمانز أوف نيويورك

«كلما اختفيت أكثر، كانت الكتابة أفضل»، هكذا يصف براندون ستانتون فلسفته. صاحب Humans of New York، الذي يتابعه أكثر من 30 مليون شخص، يرى نفسه مجرد «قناة ووعاء لقصص الآخرين». لكن خلف هذا الاختفاء المتعمد تكمن براعة أسلوبية نادرة: القدرة على تحويل محادثة قد تستمر ساعة إلى 100 كلمة تترك أثراً. إنها «البساطة التي تجعل القارئ يملأ الفراغات بخياله». أسلوب يبدو سهلاً لكنه يتطلب انضباطاً حديدياً. في هذا المقال، سنفكك نصاً واحداً من أعمال ستانتون لنكتشف كيف «يخفي»، نفسه في كتابته.

- «لو كان لكِ أن تُسدي نصيحةً واحدة للناس، فما هي؟»
- «إِذَا جَاءَتْك مَوْجَةٌ… انْزِل إِلى الأَعْمَاقِ.»
- «أظن أنني أحتاج تفسيراً لهذا.»
- «حينَ ترسلُ إليكَ الحياة موجةً عاتية، تكونُ أمامكَ ثلاثةَ خيارات: إنْ هربت منها، أَدْركتْكَ وصرَعَتْكَ. وإنْ حملكَ الكبرياءُ على الثّباتِ في مكانكَ، سحَقَتْكَ مهما تشبّثتُ. أو يمكنك أنْ تغتنمها فرصةً للغوصِ عميقاً، لإعادةِ صياغةِ نفسك والتّكيّفُ معَ الظّرفِ. هكذا وحده تعبرُ الموجة.»

الاختفاء ليس غياباً كاملاً

عندما يقول ستانتون «كلما اختفيت أكثر، كانت الكتابة أفضل»، فهو لا يعني الغياب التام، بل الحضور الخفي الذي لا يطغى على القصة. وجود الصورة في منشوراته يُضيف بُعداً آخر لفلسفة «االاختفاء في الكتابة».


الصورة كنافذة، لا كوصف

الصورة تُظهر المرأة دون أن يصفها النص.

ستانتون يتجنب ازدواجية المعلومة؛ لا يكتب: «قالت المرأة ذات الشعر الأبيض» لأن الصورة تُظهر ذلك. النص يُركّز على ما لا تستطيع الصورة نقله: الحكمة الداخلية.


التكامل دون التداخل

قوة مشروع Humans of New York،  ليست في الصور وحدها، ولا في الكلمات وحدها، بل في العلاقة بينهما.

  • الصورة تمنح السياق الإنساني

  • النص يمنح العمق الفلسفي

معاً يخلقان تجربة أقوى من مجموع أجزائها.


اختفاء المصور أيضاً

حتى في التصوير، ستانتون "يختفي":

  • لا توجد زوايا درامية أو إضاءة مُبالغ فيها

  • الصور مباشرة وصادقة كأنها التُقطت دون تدخّل

  • التركيز على الشخص، لا على براعة المصور


«الاختفاء» هنا يعني:

  • عدم فرض تأويل واحد على القارئ

  • عدم التطفل على العلاقة بين القارئ والشخص في الصورة

  • السماح للحظة الإنسانية أن تتنفس دون تدخّل


وبالعودة إلى نص المنشور، فهو يبدأ بسؤال محوري:

«لو كان لكِ أن تُسدي نصيحةً واحدة للناس، فما هي؟»

يبدأ ستانتون بسؤال يضع القارئ مباشرة في موقف تأملي. السؤال ليس عن «نصائح» بل عن «نصيحة واحدة»؛ هذا التقييد يخلق توتراً دراماتيكياً، ويرفع من قيمة الإجابة المنتظرة.


ثمّ أن الحوار الذي يبدأ بسؤال، فاستفسار، فشرح، مع وجود صوتين؛ السائل والمجيب، يخلقَان دينامية تجعل القارئ شريكًا، لا مجرد متلقٍ.


ثم يستخدم استعارة مركزية

«إذا جاءتك موجة... انزل إلى الأعماق.»

الموجة هنا ليست مجرد صورة شعرية. إنها استعارة مُحكمة تعمل على مستويات متعددة:

  • بصرياً: يمكن للقارئ تخيل المشهد

  • عاطفياً: الموجة تُجسّد التحديات المفاجئة

  • فلسفياً: العمق يرمز للتأمل الداخلي والتحول


هذا الانتقال من الصورة الحسية إلى الفكرة الوجودية هو جوهر الكتابة الجيدة.


ثم يبني التوقع/التشويق

«أظن أنني أحتاج تفسيراً لهذا.»

ستانتون يضع نفسه (أو الراوي) في موقف الجاهل المتواضع، مما يخلق مساحة للحكمة أن تتكشف. إنه يعبر عما يفكر فيه القارئ تماماً في هذه اللحظة.


قاعدة الثلاثة

الشرح يأتي في ثلاثة خيارات متدرجة:

  • الهروب: «أدركتك وصرعتك»

  • المقاومة: «سحقتك مهما تشبّثت»

  • التحول: «إعادة صياغة نفسك»


هذا البناء الثلاثي كلاسيكي في الأدب والخطابة. الخياران الأولان سلبيان، والثالث هو المخرج الإيجابي الوحيد.

والرقم 3 له سحره: نحلف بثلاث، نطلّق بثلاث، وتعد حتى 3 لبدأ أمرٍ ما


الإيقاع اللغوي

لاحظ كيف يستخدم ستانتون الأفعال القوية: «أدركتك»، «صرعتك»، «سحقتك». هذه الأفعال تخلق إيقاعاً درامياً متصاعداً. في المقابل، الحل يأتي بلغة أكثر هدوءاً: «الغوص عميقاً»، «إعادة صياغة»، «التكيّف».


البساطة المخادعة

ما يميز كتابات ستانتون هو قدرته على جعل العميق يبدو بسيطاً. هذه «البساطة المخادعة» تتطلب مهارة عالية. كل كلمة محسوبة، كل جملة مصقولة حتى تبدو وكأنها محادثة عفوية.


وأسلوبه يعتمد على:

  1. الصوت الأصيل: النص يبدو وكأن شخصاً حقيقياً يتحدث

  2. الحكمة المُعاشة: ليست نصائح نظرية بل خلاصة تجربة

  3. اللغة المُتاحة: لا تعقيد لغوي، لكن عمقاً في المعنى

  4. البُعد الإنساني: القارئ يشعر بالشخص خلف الكلمات


يُعرف عن ستانتون أنه يقضي ساعات في تحرير نص قد لا يتجاوز 200 كلمة. هذا النص القصير قد يكون نتاج محادثة استمرت ساعة أو أكثر، اختُزلت إلى جوهرها النقي.


ورغم قصر النص، هناك بداية (السؤال)، وسط (النصيحة الغامضة)، ونهاية (التفسير والحل). هذا البناء الكلاسيكي يجعل النص مُرضياً للقارئ.


استعارة الموجة والعمق لها جذور في تقاليد فلسفية وروحية متعددة، من الصوفية إلى البوذية. ستانتون يستفيد من هذا الرصيد الثقافي دون الإشارة إليه صراحة.


ستانتون، الذي أصبحت كتاباته مصدر إلهام، لم يكن طالباً متفوقاً. في الواقع، كان يواجه صعوبات حقيقية في المدرسة، ولم تكن الكتابة من نقاط قوته. بعد تخرجه من جامعة جورجيا بتخصص التاريخ، عمل في تداول السندات في شيكاغو، وهي مهنة بعيدة عن عالم الأدب والتصوير.


لكن الأزمة المالية عام 2008 غيّرت مسار حياته. بعد فقدان وظيفته، قرر ستانتون المخاطرة والانتقال إلى نيويورك ليصبح مصوراً. وهنا بدأت رحلة التحول المذهلة.


أدرك ستانتون مبكراً أن التصوير وحده لن يكفي. كانت القصص المصاحبة للصور هي ما يمنحها الحياة. لتطوير مهاراته الكتابية، وضع لنفسه هدفاً طموحاً: قراءة 100 صفحة يومياً. هذا الالتزام الصارم بالقراءة المكثفة حوّله تدريجياً من مصور يكتب تعليقات بسيطة إلى راوٍ يصوغ قصصاً تشد الملايين.


وإليك بعض النصائح


البساطة تتطلب جهداً

النصوص التي تبدو «سهلة» هي غالباً الأصعب في الكتابة. التخلص من الزوائد يتطلب شجاعة وصبراً.


الاستماع فن

قبل أن يكون ستانتون كاتباً، هو مستمع. قدرته على استخلاص الحكمة من المحادثات العادية تأتي من الإصغاء العميق.


الصور والكلمات شراكة

جملة قصيرة + صورة إنسان + لحظة صدق = نص قادر على أسر القلوب خلال ثوانٍ.


الإنسانية هي المحور

ما يجعل نصوص ستانتون مؤثرة هو تركيزها على الجوهر الإنساني المشترك. التقنية في خدمة الإنسانية، وليس العكس.


نجاح ستانتون يُذكّرنا أن المسارات غير التقليدية قد تؤدي إلى إبداع استثنائي. من العمل في تداول السندات، وفاشل أكاديمياً إلى أحد أكثر رواة القصص تأثيراً في عصرنا، رحلته تُجسّد النصيحة التي نقلها: عندما تأتي موجة التغيير، لا تهرب، ولا تقاوم، بل انزل عميقاً، وأعد صياغة نفسك.


ما يُعلّمنا إياه ستانتون هو أن الكتابة العظيمة لا تحتاج إلى تعقيد لغوي. تحتاج فقط إلى عين ترى الجمال في البسيط، وأذن تسمع الحكمة في العادي، وقلب يؤمن أن كل إنسان يحمل قصة تستحق أن تُروى.

White leather background with grained pattern_edited.jpg

اكتب كما يكتب العظماء

أمثلة جديدة أسبوعياً، مباشرة إلى بريدك الإلكتروني

اشترك في النشرة البريدية

White leather background with grained pattern_edited.jpg

كُنْ جزءاً من الرحلة

دعمك يصنع الفرق

إن وجدت في هذا المحتوى ما يُثري عقلك ويُلهم قلبك، فتبرّعك يُبقيه مستمراً..

اختر المبلغ الذي تريد التبرع به
‏١٠ €
‏٢٠ €
‏٣٠ €
‏٦٠ €
‏١٠٠ €

يمكنك التبرع أيضاً باستخدام PayPal

White leather background with grained pattern_edited.jpg

تودّ أن تتعمّق أكثر؟

White leather background with grained pattern_edited_edited.jpg

لماذا: «مِمّا قرأت»؟

«مِمّا قرأت»، قسم جديد في موقع «المحرر نت»، يحتفي بالكتابة الرفيعة. وعلى الرغم من الجهد المبذول فيه، إلّا أنه مجاني تماماً. في ثقافتنا، وا أسفاه، نادراً ما نقدّر الجهد الفكري ماديّاً، نعتبره هبة من الله. في كل مادة، نُفكِّك نصّاً من أعمال كاتبٍ مرموق، أو نصّاً يستحق. ستشعر بأنك في مختبر للأشعة السينية؛ ترى بوضوح الديناميكيات التي تجعل جملة ما تنبض بالحياة؛ والهدف أن تُحسِّن أنت أيضاً مهاراتك في هذه الصنعة. ثمّة تصوّر شائع يحول دون تحسين مهارات الكتابة، بأن يُنظر إلى النص بوصفه كتلة واحدة؛ فـ«النص»، بحسب هذا التصوّر، إمّا أن يكون حسناً بأكمله أو لا. ليس ثمَّة نص حسن؛ بل جمل حسنة. ألا ترى أنك عندما تقرأ نصّاً رائعاً، تتذكر منه جملاً بعينها؟ الكتابة الحسنة هي كتابة الجملة الحسنة. ستكتشف هنا كيف تتشكل الكتابة العظيمة؛ سنرفع الغطاء عن المحرك لترى آلة اللغة وهي تعمل. لا نملي عليك قواعد لتتبعها، بل نمسك بيدك، ونرشدك إلى النافذة التي ترى من خلالها كيف يجيد الكتّاب العظماء صنعتهم، لتكتشف بدورك صوتك أنت. ستتعلم كيف تبني مشهداً حيوياً بكامل تناقضاته وتعقيداته مثل تشارلز ديكنز، وكيف تصف مثل جيمس جويس؛ كيف تقود بالبلاغة مثل وينستون تشرشل، وكيف تعبر عن أحاسيسك مثل غريغوري روبرتس؛ ستتعلم كيف تكون ساخراً مثل جيري ساينفيلد، وكيف تُقْنع الآخرين مثل روبن ويليامز، وتكتب جملة طويلة مثل جاك كيرواك، وأسماء عظيمة أخرى كثيرة. خلال ذلك، ستستمتع بالتحليلات، رغم ما قد توحي به من جفاف؛ لذلك استعضنا عن الجفاف بالألوان. ستجد شروحاً نصيّة ورسومات توضيحية ملونة، وأحياناً مقاطع فيديو، كل ذلك لنجعل التعلّم حيوياً ومتعدد الأبعاد. كثيرة هي النصائح التي نقرؤها اليوم عن الكتابة: «كن مباشراً»، «اختصر»، «تخلّص من الحشو»، «ادخل صلب الموضوع، اجعل جملك قصيرة». وإذا دبّت الحماسة التراثية، تكون النصائح: «الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق». لا شك أن هذه النصائح جيدة؛ لكنها مجدية في حالات معينة، ولا ينبغي لها أن تكون قواعد مطلقة. الحقيقة أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة الحسنة، تماماً مثلما لا توجد طريقة واحدة للكلام الحسن. فاللغة التي تستخدمها في اجتماع عمل، تختلف تماماً عن التي تستخدمها في موعدك الغرامي الأول، وهي بدورها تختلف عن الطريقة التي تتحدث بها مع صديق. الكتابة هي تماماً مثل ذلك. في «مِمّا قرأت»، نحتفي بالجنون، والغرابة، والاختلاف، وهي جميعها جوهر أن تكون للكتابة «شخصية» وصوت. نحاول تعليمك كيف تكتب ببصمة إنسانية مميزة في عالم يوشك أن يغمره محتوى كتبه الذكاء الاصطناعي. الكتابة الإنسانية تتطلب تصميماً إنسانياً؛ لذلك أمضينا وقتاً طويلاً، وبذلنا جهداً استثنائياً في تصميم الصفحة التي تكرّم الأعمال الكلاسيكية دون أن تقع في فخ الرتابة و«الدقة» القديمة. كل لون، وعنصر، وخط، وشكل، وخلفية، اُختير بعناية ليكون كُلّاً واحداً يناهض «التسطيح» في عالم الإنترنت والسوشال ميديا؛ العالم الذي نعيشه، و… نقاومه. الآن، الكرة في ملعبك، إذا أردتَ تعلّم الكتابة، ابدأ من هنا.

bottom of page