كيف تكتب مشهداً جنسياً؟
- رشاد عبد القادر

- قبل 3 أيام
- 11 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل يومين

لم يسبق لي أن كتبت مشهداً جنسياً. فما عدا المحاولات التي تبقى طيّ الأدراج، نشرت قصةً تضم مشهداً من هذا النوع، لكنه جاء في نسخةٍ مختصرة بعد أن أمعنت فيه القصّ أثناء التحرير وإعادة التحرير؛ خوفاً من سلطة الرقيب الذاتي، وحرجاً من القارئ، ولأنني؛ ككاتب، لم أكن أعلم ما الذي ينبغي أن أكشفه وما الذي ينبغي أن أخفيه.
وأحسب أن هذه حال كثير من الأعمال الأدبية العربية التي مرّت معي؛ إذ أشعر أن الكاتب، حين يضطر إلى ذكر الجنس، يكتفي بالإشارة العابرة، ويتخلص من المشهد بأسرع طريقة ممكنة.
لكن الكتابة تصبح جيدة عندما يقرر الكاتب أن يتغلب على خوفه، ويخوض فيما يخيفه. لا أقصد الجنس وحده، بل المفردة التي تخيف، وتركيبة الجملة التي تخيف، والاستعارة التي تخيف، والفكرة التي تخيف، والعنوان الذي يخيف. فكتابتك تتحسن بمقدار تغلبك على مخاوفك.
في أفضل الكتابات التي يرد فيها الجنس؛ حتى لو جاء المشهد في فقرة قصيرة، نصل إلى نهايته ونحن لا نعرف فقط «ما الذي جرى»، بل نعرف أيضاً شيئاً عن الشخصيات المنخرطة في الفعل: عن حساسيتها، وظروفها، أو حياتها الداخلية؛ نعرف شيئاً عن الراوي الذي يروي الأحداث، أو عن كل ذلك معاً. فالمشهد الجنسي المكتوب بإتقان يشدّنا على مستويات عديدة: مستوى إيروتيكي، وجمالي، ونفسي، واستعاري، بل وحتى فلسفي. فالمشهد الحميمي الجيد يكشف طبقات متعددة من المعنى، لا الحدث الجسدي وحده.
لذلك لا توجد صيغ سحرية، ولا طرق مختصرة، ولا حيل بارعة لكتابة مشهد جنسي جيد. فالجنس والكتابة أكثر خصوصيةً بكثير، وأكثر ذاتيةً، وأشد استعصاءً، من أن يُختزلا في قائمةٍ بسيطة من «ما ينبغي فعله» و«ما ينبغي تجنبه». فكتابة المشاهد الحميمية لا تعتمد على قواعد جاهزة، بل على خصوصية التجربة والشخصيات. بدل البحث عن وصفات ثابتة، دع المشهد ينشأ من طبيعة القصة والشخصيات، واكتب بصدقٍ مع التجربة الإنسانية الخاصة بكل شخصية.
حين يحبّ البشر، فإنهم يحاولون أن يحصلوا على شيءٍ ما. وهم يحاولون أيضاً أن يمنحوا شيئاً. وهذه الغاية المزدوجة تجعل الحب أكثر تعقيداً من الطعام أو النوم. فهو أنانيّ وإيثاريّ في الوقت نفسه، ولا يؤدي أي قدرٍ من الإمعان في أحد الاتجاهين إلى ضمور الآخر تماماً. فالتوتر بين الأخذ والعطاء هو ما يمنح العلاقات العاطفية عمقها الدرامي. فبساطة الفعل الجسدي تقابلها طبقات معقّدة من المعاني النفسية والرمزية.
وعند كتابة المشهد، يجدر بالكاتب أن يركز على ما يكمن خلف الفعل: التوترات النفسية والرسائل الضمنية بين الشخصيات. فالمعنى الحقيقي للمشهد غالباً ما يوجد فيما يُلمَّح إليه، لا فيما يُوصَف مباشرة.
ما يجعل الرغبة الجنسية بهذه القوة هو توقنا إلى الاتصال بإنسانٍ آخر. لكن ما إن يدخل ذلك الشخص الآخر في المعادلة حتى لا تعود المسألة بسيطة. فأنت تشتاق إلى خفقان قلبٍ غير مألوف يلامس جلدك، لكن ما تناله في أغلب الأحيان هو وجع قلب شخصٍ آخر؛ شخصٍ أبرد وأكثر بُعداً من الجسد الدافئ الذي قصدته، أو شخصاً هشّاً ومحتاجاً بقدر ما أنت هشّ ومحتاج.
في الحياة العادية قد تكون النصيحة ألّا تنام أبداً مع شخصٍ متاعبه أسوأ من متاعبك، لأن كلفة الحميمية الجنسية قد تكون باهظة. لكن في الأدب، فإن هذه الكلفة هي التي تجعل المشهد مثيراً للاهتمام. فالتوتر بين ما تتوق إليه الشخصية وما تجده فعلياً هو ما يمنح المشهد عمقه الإنساني والدرامي.
فالجنس يعني شيئاً مختلفاً لكل واحدٍ منا، ومعانيه يمكن أن تتكاثر وتتغير، بل وتتطور مع مرور الزمن. فقد يكون تعبيراً عن المودّة، أو الحب، أو الخوف، أو الهشاشة، أو الغضب، أو السلطة، أو السخط، أو الخضوع، أو هذه المشاعر مجتمعةً في آنٍ واحد. فالجنس يجرّدنا من دفاعاتنا، ويتركنا مكشوفين أمام أحاسيس كثيراً ما نكبتها. وبدلاً من اختزال المشهد في شعورٍ واحد، ينبغي أن يسمح الكاتب له بأن يكشف طبقات متداخلة من المشاعر لدى الشخصيات.
لنستكشف ذلك في هذا المشهد من رواية توني موريسون «العين الأكثر زرقة» (1970). ففي هذا المقطع تستعيد إحدى الشخصيات، وهي «بولين»، ذكرى ليلةٍ من لياليها مع زوجها «تشولي»، في نصّ يتدفق بأسلوب «تيار الوعي»؛ أي السرد الذي يحاول أن ينقل أفكار الشخصية ومشاعرها كما تتدفق في ذهنها، ويكشف، في الوقت نفسه، عن الحب والسلطة والحنين والانكسار داخل علاقة زوجية معقدة:
كدتُ مرّةً أن أتركه، لكن شيئاً ما اعترض الطريق. مرّةً، بعد أن حاول أن يشعل النار في البيت، كنت قد عزمت أمري على الرحيل. لا أذكر الآن حتى ما الذي منعني. هو بالتأكيد لم يمنحني حياة تُذكر. لكن الأمر لم يكن سيئاً كلّه. أحياناً لم يكن سيئاً كلّه. كان يأتي أحياناً إلى الفراش متسلِّلاً، غير سكران كثيراً. أتظاهر بأنني نائمة، لأن الوقت متأخر، ولأنه أخذ ثلاثة دولارات من حقيبة نقودي ذلك الصباح أو شيئاً من هذا القبيل. أسمعه يتنفس، لكنني لا ألتفت. أستطيع أن أراه بعين عقلي، ذراعاه السوداوان مثنيتان خلف رأسه، والعضلات كأنها نوى خوخٍ كبيرة صُقلت بالرمل، والعروق تجري على ذراعيه كأنها أنهار صغيرة منتفخة. من غير أن ألمسه أشعر بنتوءات عضلاته وعروقه عند أطراف أصابعي. أرى راحتي يديه، وقد تصلبتا حتى صارتا كالغرانيت، والأصابع الطويلة متشابكة وساكنة. أفكّر في الشعر الكثيف المعقود على صدره، وفي الانتفاخين الكبيرين لعضلات صدره. أريد أن أفرك وجهي بقوة في صدره، وأشعر بِالشَّعْر يجرح جلدي. أعرف تماماً الموضع الذي يخفّ فيه الشعر؛ فوق سرّته بقليل، وكيف يعود بعدها ليكثر ويمتد. قد يتحرّك قليلاً، فتلامسني ساقه، أو أشعر بخاصرته تمسّ ردفي برفق. مع ذلك لا أتحرك. ثم يرفع رأسه، ينقلب إلى جنبه، ويضع يده على خصري. إنْ لم أتحرك، سيمدّ يده ليشدّ بطني ويدلّكه. برفقٍ وببطء. ما زلت لا أتحرك، لأنني لا أريده أن يتوقف. أريد أن أتظاهر بالنوم، وأن يواصل فرك بطني. ثم سيحني رأسه ويعضّ حلمتي. عندها لا أريده أن يستمر في فرك بطني. أريده أن يضع يده بين ساقيّ. أتظاهر بأنني أستيقظ، وأستدير نحوه، لكن من غير أن أفتح ساقيّ. أريده هو أن يباعدهما. يفعل ذلك، فأكون هناك ملساء ورطبة وأصابعه قوية وصلبة. أصير أمْلَس أكثر من أي وقت مضى. كل قوتي بين يديه. ينكمش عقلي مثل أوراقٍ ذابلة. شعورٌ غريبٌ أجوف يسري في يديّ. أريد أن أتشبّث بشيء، فأمسك رأسه. فمه تحت ذقني. ثم لا أعود أريد يده بين ساقيّ، لأنني أشعر كأنني أذوب. أمدّ ساقيّ مفتوحتين، فيكون فوقي. ثقيل أكثر مما يمكن تحمله، وخفيف أكثر مما يمكن إبعاده. يُدخل شيئه فيَّ. يُدخله فيَّ. يُدخله فيَّ. ألفّ قدميّ حول ظهره حتى لا يفلت مني. وجهه إلى جوار وجهي. تصدر نوابض السرير صوتاً يشبه صرير الجداجد التي كانت في موطننا القديم. يشبك أصابعه في أصابعي، فنمدّ أذرعنا إلى الجانبين مثل يسوع على الصليب. أتشبّث به بقوة. أصابعي وقدماي تتشبثان بقوة، لأن كل شيء آخر ذَاهبٌ، ذاهب. أعرف أنه يريدني أن أبلغ هزّة الجماع أولاً. لكنني لا أستطيع. ليس قبل أن يبلغ هو. ليس قبل أن أشعر بأنه يحبني. أنا وحدي. يغوص فيَّ. ليس قبل أن أعرف أن جسدي وحده هو ما يشغل فكره. وأنه لا يستطيع التوقف حتى لو اضطر. وأنه يفضّل أن يموت على أن يخرج شيئه من داخلي. من داخلي. ليس قبل أن يترك كل ما لديه ويمنحه لي. لي. لي. عندما يفعل، أشعر بسُلطةٍ. أصير قوية. أصير جميلة. أصير شابة. ثم أنتظر. يرتجف ويقذف رأسه إلى الخلف. الآن أصير قوية بما يكفي، جميلة بما يكفي، شابة بما يكفي لأدعه يوصلني إلى الهزّة. أسحب أصابعي من بين أصابعه، وأضع يديّ على ردفيه. تسقط ساقاي على السرير. لا أصدر صوتاً، لأن الأطفال قد يسمعون. أبدأ أشعر بتلك النُّتَف من الألوان تطفو في داخلي؛ عميقاً في داخلي. ذاك الشريط الأخضر الذي يخلّفه وميض خنفساء حزيران، والبنفسجي من عصير التوت، وهو يسيل على فخذيّ، وأصفر ليموناضة أمّي يجري حلواً في داخلي. ثم أشعر كأن ما بين ساقيّ يضحك، ويختلط الضحك بالألوان، فأخاف أنْ أصل الهزّة، وأخاف ألّا أصل. لكنني أعرف أنني سأصل. وأصل الهزّة. ويكون قوس قزح كلّه في داخلي. ويدوم ويدوم ويدوم. أريد أن أشكره، لكنني لا أعرف كيف، فَأُرَبِّتُ عليه كما تربت على طفل. يسألني إنْ كنت بخير. أقول نعم. فيقوم عنّي ويتمدد لينام. أريد أن أقول شيئاً، لكنني لا أفعل. لا أريد أن أصرف ذهني عن قوس القزح. ينبغي أن أنهض، وأذهب إلى المرحاض، لكنني لا أفعل. ثم إن «تشولي» نائم وساقه ملقاة فوقي. لا أستطيع أن أتحرك، ولا أريد.
«لكن الأمر لم يعد مثل هذا الآن. في أغلب الأوقات يقحمه في داخلي قبل أن أستيقظ، ويكون قد انتهى عندما أستيقظ. وفي بقية الأوقات لا أستطيع حتى أن أكون بقرب جسده المخمور النتن. لكنني لم أعد أبالي بذلك. خالقي سيتكفّل بي. أعلم أنه سيفعل. أعلم أنه سيفعل. ثم لم يعد الأمر يفرق في هذه الأرض الزائلة. لا بدّ أن يكون هناك مجد. الشيء الوحيد الذي أفتقده أحياناً هو ذلك القوس القزح. لكن كما قلت، لم أعد الآن أذكره كثيراً.»
Original English
“I started to leave him once, but something came up. Once, after he tried to set the house on fire, I was all set in my mind to go. I can’t even ’member now what held me. He sure ain’t give me much of a life. But it wasn’t all bad. Sometimes things wasn’t all bad. He used to come easing into bed sometimes, not too drunk. I make out like I’m asleep, ’cause it’s late, and he taken three dollars out of my pocketbook that morning or something. I hear him breathing, but I don’t look around. I can see in my mind’s eye his black arms thrown back behind his head, the muscles like great big peach stones sanded down, with veins running like little swollen rivers down his arms. Without touching him I be feeling those ridges on the tips of my fingers. I sees the palms of his hands calloused to granite, and the long fingers curled up and still. I think about the thick, knotty hair on his chest, and the two big swells his breast muscles make. I want to rub my face hard in his chest and feel the hair cut my skin. I know just where the hair growth slacks out—just above his navel—and how it picks up again and spreads out. Maybe he’ll shift a little, and his leg will touch me, or I feel his flank just graze my behind. I don’t move even yet. Then he lift his head, turn over, and put his hand on my waist. If I don’t move, he’ll move his hand over to pull and knead my stomach. Soft and slow-like. I still don’t move, because I don’t want him to stop. I want to pretend sleep and have him keep on rubbing my stomach. Then he will lean his head down and bite my tit. Then I don’t want him to rub my stomach anymore. I want him to put his hand between my legs. I pretend to wake up, and turn to him, but not opening my legs. I want him to open them for me. He does, and I be soft and wet where his fingers are strong and hard. I be softer than I ever been before. All my strength in his hand. My brain curls up like wilted leaves. A funny, empty feeling is in my hands. I want to grab holt of something, so I hold his head. His mouth is under my chin. Then I don’t want his hand between my legs no more, because I think I am softening away. I stretch my legs open, and he is on top of me. Too heavy to hold, and too light not to. He puts his thing in me. In me. In me. I wrap my feet around his back so he can’t get away. His face is next to mine. The bed springs sounds like them crickets used to back home. He puts his fingers in mine, and we stretches our arms outwise like Jesus on the cross. I hold on tight. My fingers and my feet hold on tight, because everything else is going, going. I know he wants me to come first. But I can’t. Not until he does. Not until I feel him loving me. Just me. Sinking into me. Not until I know that my flesh is all that be on his mind. That he couldn’t stop if he had to. That he would die rather than take his thing out of me. Of me. Not until he has let go of all he has, and give it to me. To me. To me. When he does, I feel a power. I be strong, I be pretty, I be young. And then I wait. He shivers and tosses his head. Now I be strong enough, pretty enough, and young enough to let him make me come. I take my fingers out of his and put my hands on his behind. My legs drop back onto the bed. I don’t make no noise, because the chil’ren might hear. I begin to feel those little bits of color floating up into me—deep in me. That streak of green from the june-bug light, the purple from the berries trickling along my thighs, Mama’s lemonade yellow runs sweet in me. Then I feel like I’m laughing between my legs, and the laughing gets all mixed up with the colors, and I’m afraid I’ll come, and afraid I won’t. But I know I will. And I do. And it be rainbow all inside. And it lasts and lasts and lasts. I want to thank him, but don’t know how, so I pat him like you do a baby. He asks me if I’m all right. I say yes. He gets off me and lies down to sleep. I want to say something, but I don’t. I don’t want to take my mind offen the rainbow. I should get up and go to the toilet, but I don’t. Besides, Cholly is asleep with his leg throwed over me. I can’t move and don’t want to.
“But it ain’t like that anymore. Most times he’s thrashing away inside me before I’m woke, and through when I am. The rest of the time I can’t even be next to his stinking drunk self. But I don’t care ’bout it no more. My Maker will take care of me. I know He will. I know He will. Besides, it don’t make no difference about this old earth. There is sure to be a glory. Only thing I miss sometimes is that rainbow. But like I say, I don’t recollect it much anymore.”
ما يتكشف في المقطع ليس الفعل الجسدي بقدر ما يتكشف احتياج بولين العميق إلى أن تُرى وتُرغَب. فهي لا تريد اللذة فقط، بل تريد أن تعرف أن جسدها هو ما يشغل فكر زوجها، وأنه لا يستطيع التوقف. وفي تلك اللحظة القصيرة تشعر بأنها قوية وجميلة وشابة، صفات لا يبدو أنها تشعر بها في حياتها اليومية.
ولهذا لا يشرح المقطع لنا ما حدث بقدر ما يكشف لنا من هي بولين. فمن خلال هذه اللحظة الحميمية نفهم شيئاً عن ضعفها، وعن توقها إلى الحب، وعن علاقتها المعقدة بزوجها تشولي. لو حذفنا هذا المشهد من الرواية، لفقدنا مفتاحاً مهماً لفهمها.
ثم إن موريسون لا تكتب الفعل الجسدي كما لو كانت كاميرا تسجله. فهي تتجنب الوصف الميكانيكي المباشر، وتستبدله بلغة حسية واستعارية. بدلاً من أن تشرح ما يحدث، تجعلنا نشعر به من خلال الصور: العقل الذي «ينكمش مثل أوراق ذابلة»، أو الألوان التي «تطفو في الداخل». وهكذا يتحول الجسد إلى تجربة شعورية كاملة، لا مجرد حركة.
ومن اللافت أيضاً أن الحواس كلها تقريباً حاضرة في هذا المقطع: صوت النوابض الذي يشبه صرير الجداجد، ملمس الجسد، الصور اللونية التي تتفتح داخل الشخصية، وحتى الذاكرة التي تعيدها إلى موطنها القديم. بهذه التفاصيل الصغيرة يصبح المشهد عالماً حسياً كاملاً.
لكن أكثر ما يدهش في هذا المقطع هو التحول الذي يحدث في منتصفه. فالقارئ قد يتوقع أن تكون بولين في موقع الضعف، غير أنها تقول فجأة:
«أشعر بسلطة. أصير قوية. أصير جميلة.»
هذه اللحظة القصيرة تكشف شيئاً عميقاً: أن التجربة تمنحها إحساساً مؤقتاً بالقوة والجمال، قبل أن يستعيده الزمن منها لاحقاً.
ولهذا تأتي الجملة الهادئة في نهاية المقطع كضربة خفيفة لكنها موجعة:
«لكن الأمر لم يعد مثل هذا الآن.»
فما قرأناه لم يكن وصفاً للحاضر، بل ذكرى. ذكرى زمنٍ كانت فيه بولين تشعر، ولو للحظة، بأنها شابة وقوية ومرغوبة. أما الآن، فلم يبق من تلك التجربة إلا صورة واحدة عالقة في الذاكرة: قوس قزح داخلي كانت تشعر به في جسدها.
ولهذا يبدو هذا المشهد، رغم صراحته، بعيداً عن الابتذال. فنحن لا نقرأ فيه وصفاً لفعلٍ جسدي، بل نصاً عن الذاكرة والحب والسلطة والزمن. عن الطريقة التي يمكن بها للحظة حميمية واحدة أن تختصر تاريخ علاقة كاملة.
كتابة مشهد جنسي ليست أكثر صعوبة ولا أقل من كتابة قصة جيدة عن أي موضوع آخر. لكن الجنس، بوصفه موضوعاً، يطرح تحدياته الشائكة الخاصة. لنبدأ بعشرة مبادئ عامة تساعدك على الاهتداء وأنت تضع شخصيات عمل الأدبي «بين أغطية السرير»:
1. المشهد الجنسي أو وصفه ليس دليلًا تعليمياً عن الجنس.
2. لا يشترط في المشهد الجنسي الجيد أن يكون عن جنسٍ جيّد.
3. لا بأس إن شعرت أنت نفسك بالإثارة مما تكتبه.
4. لا تنسى: خوفك ليس عدوك، بل أفضل صديق لك.
5. الجنس بحد ذاته جميل، لكن الشخصية هي مبتغاك.
6. وحدها شخصيات عملك الأدبي تعرف يقيناً ماذا تسمّي الأعضاء الجنسية.
7. استمد إشاراتك من شخصياتك.
8. ينبغي لشخصياتك أن ترغب؛ أن ترغب بشدة.
9. المشهد الجنسي الجيد يدور دائماً حول الجنس وشيءٍ آخر معه.
10. ماذا تكون الشخصية بالنسبة إلى الأخرى هو الأمر الحاسم.
اجعل الدوافع العاطفية والعلاقات بين الشخصيات هي التي تقود المشهد. استخدم المشهد الحميمي لكشف الشخصية والصراع والمعنى الأوسع في القصة، لا بوصفه غاية في ذاته.
وتذكر أن المشاهد الجنسية ليست كلها متساوية. فالشخصية التي تمارس الجنس لأول مرّة، تختلف عن الشخصية التي تختبره عبر علاقة زوجية طويلة، أو تلك التي تختبره في خيانة زوجية، أو بهدف المتعة، أو الجنس المحرّم، أو ممارسة العادة السرية. فلكل واحدة منطقها وأدواتها وظروفها المحيطة بها.
وربما لهذا تبدو كتابة المشاهد الحميمية امتحاناً حقيقياً لقدرة الكاتب على الصدق. فحين يكتب المرء عن الجنس، لا يكتب عن الجسد وحده، بل عن الهشاشة والرغبة والخوف والحاجة إلى أن يُرى ويُحب. وكلما استطاع الكاتب أن يقترب من هذه الطبقات الإنسانية العميقة، ابتعد نصّه عن الابتذال واقترب من الأدب. ففي النهاية، ليست المسألة كيف نكتب الجنس، بل كيف نكتب الإنسان.






