كيف تكتب عن الموت دون أن تبتذله؟
- رشاد عبد القادر

- قبل يوم واحد
- 6 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: قبل 12 ساعة

ليس ثمة كثير من الكتّاب العظماء الذين لم يؤلفوا كتباً.
يستحضرني الأسطورة جوزيف ميتشل (1908–1996)، الصحفي في مجلة «ذا نيويوركر»، الذي ظلّ اسمه مقروناً بالمقال لا بالرواية. ويستحضرني أيضاً أ. ج. ليبلينغ (1904–1963)، أسطورة المجلة نفسها، الذي كان إذا سُئل: «لماذا لا تكتب رواية؟» أجاب: «ماذا؟ وهل تريدون أن أختلق قصصاً؟» بل إنه، حين طُلب منه أن يعلّق على صديقه ألبير كامو، هزّ رأسه قائلاً: «لقد بدّد طاقاته في الكتابة الإبداعية وخسرنا صحفياً عظيماً».
بطبيعة الحال، صدرت كتب لهاتين الأسطورتين، لكنها في جوهرها تجميع مقالات. كان شكلُهما الطبيعي هو المقال الطويل، لا الكتاب المتماسك.
ينتمي إلى هذه السلالة توم جونود (مواليد 1958)، أحد أبرز كتّاب مجلة «إسكواير». ظلّ ثلاثة عقود يُعدّ من أعمدة المقال الأمريكي الطويل، فيما ظلّ بلا كتاب. تسابقت إليه دور النشر، ووقّع عقداً مع دار «كنوبف»، لكن بلا موعد تسليم. قال وكيله ديفيد بلاك لاحقاً: «تفاوضتُ على واحد من أفضل العقود في حياتي، وعلى واحدة من أسوأ الصفقات التي أبرمتُها، لأنه لم يكن هناك موعد نهائي للتسليم».
انتظرت «كنوبف» ثلاثين عاماً. وفي عام 2026 فقط، قدّم جونود مخطوطته أخيراً، وجاء الكتاب مذكرات شخصية عن والده ومعنى الرجولة. لكن مكانة جونود لم تُصنع في كتابه، بل في مقالاته.
ما يميّزه أنه لا يبحث عن الحدث، بل عن الإنسان داخل الحدث. قيل عنه إن صوته موسيقي، وإن جمله تُبنى بإيقاع مقصود، وإنه يبحث عن «الكلمة التي تحمل الفكرة وإيحاءها العاطفي في آن». في مقالته «الرجل الذي يسقط» يتجسّد هذا كله.
المقال، المنشور عام 2003 في «إسكواير»، ينطلق من صورة التقطها المصوّر ريتشارد درو لرجل يقفز من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في هجمات 11 سبتمبر 2001. يبدأ جونود بوصف الصورة وصفاً دقيقاً، ثم يتوسّع إلى قصة المصوّر، والجدل الذي أثارته الصورة، وردود الفعل التي طالبت بإخفائها. يتتبع محاولة تحديد هوية الرجل، ويقابل عائلاتٍ ظُنّ خطأً أن الرجل أحد أبنائها، ويكشف الألم الذي تسببه الصورة حين تُربط باسمٍ محدد.
لكن الكشف عن الهوية ليس جوهر المقال. جوهره سؤالٌ أبعد:
ماذا نفعل بالصورة التي لا نحتملها؟
هل نخفيها لأن النظر إليها قاسٍ؟
أم نواجهها لأنها جزء من الحقيقة؟
المقال ليس عن رجلٍ سقط، بل عن أمةٍ لا تعرف كيف تنظر إلى السقوط.

وهنا يبدأ النص الذي يختبر قدرتنا على الاحتمال:
في الصورة، يغادر هذا العالم كأنه سهم. ومع أنه لم يختر مصيره، فإنه يبدو، في لحظاته الأخيرة، كمن سلّم به ورضي. ولولا أنه يسقط، لخيّل إلينا أنه يحلّق. يبدو هادئاً وهو يندفع في الهواء. يبدو مطمئناً وسط حركةٍ تفوق التصوّر. لا تبدو عليه رهبةٌ من الجاذبية التي تشدّه إلى الأسفل، ولا من المصير الذي ينتظره. ذراعاه إلى جانبيه، مائلتان قليلاً فحسب. ساقه اليسرى مثنية عند الركبة، في هيئةٍ تكاد تبدو عفوية. قميصه الأبيض، أو سترته، أو معطفه، يرفرف فوق بنطاله الأسود. وحذاؤه الأسود العالي الرقبة لا يزال في قدميه. في كل الصور الأخرى، يبدو الذين فعلوا ما فعله؛ الذين قفزوا، كأنهم يصارعون اختلالاً مروّعاً في النِّسب. تتضاءل أجسادهم أمام البرجين المنتصبين كعملاقين، ثم أمام الحدث نفسه. بعضهم عراة الصدور؛ تتطاير أحذيتهم، وهم يتخبّطون، ويسقطون؛ تبدو عليهم الحيرة، كأنهم يحاولون السباحة بمحاذاة سفح جبل وهم يهوون. أما الرجل في هذه الصورة، فعلى النقيض من ذلك، فهو قائمٌ في خطٍّ عموديٍّ كامل، منسجم مع خطوط المباني خلفه. يشقّ المشهد نصفين: كل ما يقع إلى يساره هو البرج الشمالي، وكل ما يقع إلى يمينه هو البرج الجنوبي. ومع أنه غافلٌ عن التوازن الهندسي الذي تحقّق بوجوده، فإنه يشكّل العنصر الأساسي في تكوين عَلَمٍ جديد، رايةٍ مؤلَّفة بالكامل من قضبان فولاذية تلمع في الشمس. بعض من ينظرون إلى الصورة يرون رباطة جأش وإرادة، وصورة استسلامٍ من غير شكوى؛ وآخرون يرون شيئاً مختلفاً؛ أمراً مربكاً ومرعباً في آنٍ معاً: الحرية. في هيئة الرجل ما يشبه التمرّد؛ كأنه، حين واجه حتمية الموت، قرّر أن يمضي إليه بلا تردّد؛ كأنه قذيفة، أو رمحٌ يتجه إلى نهايته بإرادته. عند الساعة التاسعة وإحدى وأربعين دقيقة وخمس عشرة ثانية صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحد؛ لحظة التقاط الصورة، كان خاضعاً لقوانين الفيزياء وحدها، يتسارع بمعدل اثنين وثلاثين قدماً في كل ثانية تمر. وسرعان ما سيبلغ سرعة تتجاوز مئتين وواحداً وأربعين كيلومتراً في الساعة، وهو مقلوب الرأس. في الصورة يبدو ثابتاً؛ أمّا خارج إطارها، فإنه يواصل السقوط حتى يغيب عن الأنظار.
In the picture, he departs from this earth like an arrow. Although he has not chosen his fate, he appears to have, in his last instants of life, embraced it. If he were not falling, he might very well be flying. He appears relaxed, hurtling through the air. He appears comfortable in the grip of unimaginable motion. He does not appear intimidated by gravity's divine suction or by what awaits him. His arms are by his side, only slightly outriggered. His left leg is bent at the knee, almost casually. His white shirt, or jacket, or frock, is billowing free of his black pants. His black high-tops are still on his feet. In all the other pictures, the people who did what he did—who jumped—appear to be struggling against horrific discrepancies of scale. They are made puny by the backdrop of the towers, which loom like colossi, and then by the event itself. Some of them are shirtless; their shoes fly off as they flail and fall; they look confused, as though trying to swim down the side of a mountain. The man in the picture, by contrast, is perfectly vertical, and so is in accord with the lines of the buildings behind him. He splits them, bisects them: Everything to the left of him in the picture is the North Tower; everything to the right, the South. Though oblivious to the geometric balance he has achieved, he is the essential element in the creation of a new flag, a banner composed entirely of steel bars shining in the sun. Some people who look at the picture see stoicism, willpower, a portrait of resignation; others see something else—something discordant and therefore terrible: freedom. There is something almost rebellious in the man's posture, as though once faced with the inevitability of death, he decided to get on with it; as though he were a missile, a spear, bent on attaining his own end. He is, fifteen seconds past 9:41 a.m. EST, the moment the picture is taken, in the clutches of pure physics, accelerating at a rate of thirty-two feet per second squared. He will soon be traveling at upwards of 150 miles per hour, and he is upside down. In the picture, he is frozen; in his life outside the frame, he drops and keeps dropping until he disappears.
«في الصورة، يغادر هذا العالم كأنه سهم.»
هذه الجملة وحدها تكشف طريقته. السهم يعني اتجاهاً وقصداً وإرادة. لكن الرجل لم يختر مصيره. هنا يفتح النص باب التأويل فجأة:
«ولولا أنه يسقط، لخيّل إلينا أنه يحلّق».
بين السقوط والتحليق مساحة أخلاقية كاملة. هل ما نراه استسلاماً؟ أم حرية؟ أم وهمٌ بصريّ؟
جونود يعرف خطورة الصورة. هو لا يكتب عن انهيار برج، بل عن جسدٍ معلّق في الهواء. التكوين الهندسي، الخط العمودي، انقسام البرجين على جانبي الجسد، كل ذلك يجعل اللحظة تبدو متوازنة. لكنه توازنٌ مخيف، لأن الموت لا يكون متوازناً.
الناقد ستيفن تشيرش وصف الصورة بأنها «كذبة جميلة». الكاميرا اختارت جزءاً من الثانية بدا فيه السقوط منسجماً، بينما الحقيقة كانت فوضى وارتطاماً. جونود يدرك ذلك، ولذلك يذكّرنا بحدود الصورة. يقول إن الرجل في الإطار ثابت، لكنه خارجه يواصل السقوط.
«في الصورة يبدو ثابتاً؛ أمّا خارج إطارها، فإنه يواصل السقوط حتى يغيب عن الأنظار.»
هذه الجملة ليست وصفًا تقنياً، بل إعلاناً أخلاقياً. لا يسمح للرمز أن يبتلع الواقع. كلما اقترب من الأسطورة، أعادنا إلى الجسد.
هنا يتضح الفرق بين كاتب يسعى إلى الإثارة وكاتب يسعى إلى المواجهة. جونود لا يطلب من القارئ أن يُعجب بالصورة، بل أن يحتمل النظر إليها. في مجتمعٍ فضّل أن يضع القافزين في الهامش، أعادهم إلى المركز. لم يكتب عن الإرهاب، بل عن الذين اختاروا الهواء حين ضاق بهم الدخان.
ثم تأتي الأرقام. اثنان وثلاثون قدماً في الثانية. مئتان وإحدى وأربعون كيلومتراً في الساعة.
«كان خاضعاً لقوانين الفيزياء وحدها، يتسارع بمعدل اثنين وثلاثين قدماً في كل ثانية تمر. وسرعان ما سيبلغ سرعة تتجاوز مئتين وواحداً وأربعين كيلومتراً في الساعة، وهو مقلوب الرأس.»
هذه ليست استعارات، بل فيزياء. إدخال الفيزياء هنا يشبه صفعة. يعيد النص من المجاز إلى المادة، من الرمز إلى اللحم. لا يتركنا نستريح إلى الجمال الهندسي للصورة.
هذا التوتر بين الرمز والحقيقة هو ما يميّز جونود في مجمل مسيرته. في مقالته الأخرى عن فريد روجرز، لم يكتب عن «قديس»، بل عن إنسانٍ اختار اللطف كفعل مقاومة. في مذكّراته عن والده، لم يكتب عن «أب قاسٍ» فحسب، بل عن النموذج الذي ورثه عن الرجولة ثم حاول تفكيكه. دائماً هناك سؤال خفي: كيف نرى؟ وكيف نحكم؟ وما الذي نخفيه لأننا لا نحتمل النظر إليه؟
«الرجل الذي يسقط» ليس تحقيقاً في هوية شخص فحسب، مع أنه يتتبع ذلك بدقة صحفية كاملة. إنه تفكيك لمعنى الصورة في الذاكرة العامة. الصورة تمنحنا لحظة من التوازن. النص يذكّرنا بأن التوازن لم يكن حقيقياً. الصورة تجمّد الزمن. النص يعيده إلى حركته القاسية.
ولا يقدّم جونود عزاءً. لا يخفّف الألم، ولا يمنح خاتمة مطمئنة. الرجل يتحول إلى رمز، نعم، لكنه ليس رمزاً للنصر أو البطولة، بل لضعف الإنسان أمام حدث يفوقه، ولحقيقةٍ لا يمكن للكاميرا أن تحتويها كاملة.
قيل عن جونود إنه «يبحث عن الإنسان». في هذا المقال، الإنسان ليس بطلاً، ولا شهيداً، ولا أسطورة. هو جسدٌ في الهواء.
وهذا يكفي.






